إبراهيم ولد الرشيد: «الصحراء المغربية: من الإرث التاريخي إلى عهد جديد من السيادة والحكم الذاتي والمصالحة الوطنية»
بقلم: إبراهيم ولد الرشيد
عضو المجلس الوطني لحزب الاستقلال
هناك ولاءات لا تستطيع تقلبات التاريخ أن تنال منها، ولا تتمكن الظروف السياسية من إخضاعها لموازين المصالح المتغيرة. وهناك روابط انتماء تستمد مشروعيتها من ذاكرة أقدم من الخلافات الدبلوماسية، ومن وعي أعمق من مختلف التصورات الإيديولوجية.
إن الرابطة التي تجمع الصحراويين المغاربة بالعرش العلوي المجيد تندرج ضمن هذه الاستمرارية التاريخية. فهي حقيقة إنسانية وتاريخية لا يمكن استيعاب عمقها من خلال مقاربة جيوسياسية محضة.
وبصفتي صحراوياً مغربياً شديد الارتباط بمغربية الصحراء وبسيادة بلدي، أؤمن بأن دفاعنا عن الوحدة الترابية للمملكة لا تحكمه اعتبارات ظرفية، ولا تمليه مصالح سياسية عابرة. بل يستمد جذوره من تاريخ مشترك، ويستند في شرعيته إلى استمرارية الدولة المغربية، ويبلغ أسمى تجلياته في وفائنا الراسخ للعرش العلوي المجيد ولصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده.
إن لهذا الوفاء عمقاً لا تستطيع الظروف الراهنة وحدها تفسيره.
فهو متجذر في التاريخ العريق للعلاقات التي جمعت القبائل الصحراوية بسلاطين المغرب، ويحيل إلى تقليد البيعة الذي شكل، على مدى قرون، أحد أسس تنظيمنا السياسي ومفهومنا للشرعية. فالبيعة لا يمكن اختزالها في ممارسة احتفالية أو مجرد تعبير عن الاحترام والتوقير.
إنها تجسد تصوراً تاريخياً للسلطة والتزاماً متبادلاً ظلت بصمته راسخة في الذاكرة الجماعية. فالبيعات المتعاقبة، وروابط التضامن المتوارثة، والصلات الروحية، والولاءات المرتبطة باستمرارية الدولة العلوية، كلها تشكل جزءاً من رصيد مشترك لم تستطع المحن التاريخية محوه.
وبالنسبة إلى العديد من الأسر الصحراوية، فإن الملكية ليست مؤسسة بعيدة فرضت سلطتها على هوية قائمة بذاتها، بل تمثل أحد أقدم تعبيرات انتمائها إلى الجماعة الوطنية المغربية.
ومع ذلك، فإن البحث في الماضي وحده عن مبررات التزامنا الراهن يظل أمراً غير كافٍ. فمغربية الصحراء ليست مجرد إرث تسلمناه عن الأجيال السابقة، بل هي أيضاً مسؤولية يتعين علينا تحملها.
إنها حقيقة مطالبة كل الأجيال بالحفاظ عليها، وواقع نساهم يومياً في ترسيخه وتجديد حضوره.
فالصحراويون الوحدويون ليسوا مجرد متفرجين على قضية يُحسم مستقبلها حصرياً في العواصم الأجنبية، بل نحن فاعلون أساسيون فيها. وندرك أبعادها الإنسانية وتداعياتها الاجتماعية، كما نعي آثارها على الأسر والتوازنات داخل منطقتنا.
وعلى مدى عقود، ساهم المنتخبون في الأقاليم الجنوبية، وممثلو القبائل، والأعيان، والفاعلون السياسيون والجمعويون، والنساء والشباب، في تعزيز هذا الانتماء الوطني. ولا يجوز التقليل من قيمة التزامهم أو اختزاله في مجرد تأييد للموقف الرسمي للمملكة.
إنه إسهام سياسي وتاريخي قائم بذاته، يمنح الدفاع عن الوحدة الترابية بعداً شعبياً وعمقاً إنسانياً، من دونهما تظل أي عملية لترسيخ الوحدة الوطنية غير مكتملة.
وتظل المسيرة الخضراء، التي نُظمت في نونبر 1975، محطة تأسيسية في تاريخنا المعاصر. فبقيادة المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه، جسدت تلك التعبئة الوطنية بصورة استثنائية إرادة الشعب المغربي في استرجاع أقاليمه الصحراوية.
وبعد خمسين عاماً، أعادت احتفالات سنة 2025 التذكير بأهمية هذا الإرث وبالتضحيات التي بُذلت دفاعاً عن الوحدة الترابية. لكنها أبرزت أيضاً تحولاً حاسماً، يتمثل في الانتقال التدريجي من مرحلة المطالبة التاريخية إلى مرحلة البناء السياسي والترابي، الرامية إلى ترسيخ المكتسبات الوطنية واستشراف المستقبل.
وهنا تحديداً تتجلى رؤية صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في الربط بين الشرعية التاريخية الموروثة ومسؤولية الحاضر.
فخلال عهده، اكتسبت القضية الوطنية بعداً دبلوماسياً جديداً، تواكب مع سياسة تنموية تستهدف جعل الأقاليم الجنوبية فضاءً للاستقرار والازدهار.
الحكم الذاتي.. مقترح لتجاوز عقود من المواجهة
شكّل تقديم المغرب، بتاريخ 11 أبريل 2007، مبادرة التفاوض بشأن منح الصحراء حكماً ذاتياً، نقطة تحول في مسار البحث عن حل سياسي.
فقد قدم هذا المقترح تصوراً مؤسساتياً يعكس إرادة المملكة في تجاوز نزاع طال أمده بفعل عقود من المواجهات وتضارب المواقف.
وتقوم المبادرة على تصور متقدم للحكم الذاتي الجهوي، في إطار السيادة الوطنية واحترام الوحدة الترابية للمملكة.
ولا تقتصر أهميتها على البحث عن تسوية دبلوماسية توافقية، بل تتجاوز ذلك إلى طرح نموذج للتنظيم السياسي يسمح للسكان المعنيين بالمشاركة الكاملة في تدبير شؤونهم المحلية، مع الحفاظ على الاختصاصات السيادية للدولة.
وينبغي أن يجد التمثيل الديمقراطي والاعتراف بالخصوصيات الثقافية مكانتهما الكاملة ضمن هذا الإطار، إلى جانب مسؤولية المؤسسات الترابية وضمان الحقوق.
وهكذا اختار المغرب مساراً سياسياً يسعى إلى التوفيق بين الممارسة الفعلية للصلاحيات الجهوية واستمرارية وحدته الدستورية.
وقد شكل اعتماد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار رقم 2797، بتاريخ 31 أكتوبر 2025، محطة دبلوماسية بالغة الأهمية.
فقد نص القرار على تمديد ولاية بعثة المينورسو إلى غاية 31 أكتوبر 2026، ودعا الأطراف إلى الانخراط في مباحثات على أساس مخطط الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب.
كما اعتبر أن حكماً ذاتياً حقيقياً يمكن أن يشكل أحد الحلول الأكثر قابلية للتطبيق.
وقد وضع هذا التطور المبادرة المغربية في صلب إطار المفاوضات، وعزز مكانتها في البحث عن تسوية سياسية للنزاع.
وبالنسبة إلى بلادنا، فقد شكل ذلك ثمرة دبلوماسية هادئة ومتواصلة، تُدار تحت القيادة السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وتستند إلى الثبات على المبادئ والتحلي بالحكمة في تدبير الملفات.
كما أكد أن مصداقية أي مقترح دبلوماسي تُقاس بقدرته على تغيير معطيات النزاع وفتح آفاق مؤسساتية قابلة للتطبيق.
ويحتل الخطاب التاريخي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى شعبه الوفي، يوم 31 أكتوبر 2025، مكانة خاصة في هذه المرحلة. فقد منح هذا الخطاب، بما حمله من دلالات سياسية وعمق في التوجيهات، للتقدم الدبلوماسي بُعداً وطنياً استثنائياً.
وأعلن جلالة الملك عن فتح صفحة جديدة في مسار تكريس مغربية الصحراء، مؤكداً أن مبادرة الحكم الذاتي ينبغي أن تشكل أساساً للتوصل إلى حل توافقي ونهائي.
ومن خلال التمييز بين مرحلة ما قبل 31 أكتوبر 2025 وما بعدها، وضع جلالة الملك هذا التاريخ ضمن منظور تاريخي يتجاوز التقلبات المعتادة للدبلوماسية.
وبالنسبة إلينا، نحن الصحراويين الوحدويين، لم يكن ذلك الخطاب مجرد إعلان عن مكسب دبلوماسي، بل عبّر عن رؤية لمستقبل الوطن تتكامل فيها حماية السيادة مع المسؤولية السياسية والسعي إلى تحقيق توافق وطني مستدام.
المصالحة.. وجه آخر للانتصار الوطني
تكمن أهمية الخطاب الملكي أيضاً في التصور الذي قدمه لمفهوم الانتصار الوطني.
فقد أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس أن المغرب لا يسعى إلى تأجيج الخلافات أو تعميق الانقسامات، وأنه يظل متمسكاً بحل يحفظ كرامة جميع الأطراف.
ويستحق هذا التوجه اهتماماً خاصاً، لأنه يعكس تصوراً راقياً لمسؤولية الدولة، يقوم على التمييز بين الثبات على المبادئ واستمرار مشاعر العداء والضغينة.
كما يؤكد أن الدولة الواثقة من مرتكزاتها قادرة على الانفتاح على المصالحة دون التخلي عن حقوقها.
ويمنح هذا التوجه السياسة المغربية بعداً إنسانياً ينبغي أن يظل حاضراً في مختلف مراحل المسار المقبل. فقيمة القضية الوطنية لا تُقاس فقط بحجم الاعترافات التي تحظى بها أو بالمواقف الدبلوماسية التي تتمكن من ترسيخها.
بل تُقاس أيضاً بقدرتها على تهيئة شروط المصالحة، وتوفير أفق قائم على الكرامة والأمن لكل من يرغب في المشاركة في الحياة الوطنية المشتركة.
ويكتسي النداء الملكي الموجه، في الخطاب نفسه، إلى إخواننا الموجودين في مخيمات تندوف أهمية إنسانية وسياسية خاصة.
فقد دعاهم صاحب الجلالة الملك إلى اغتنام الفرصة التاريخية التي تتيحها مبادرة الحكم الذاتي، من أجل لمّ شملهم بأسرهم، والمساهمة في تدبير الشؤون المحلية، والانخراط في تنمية وطنهم.
كما جدد جلالته التأكيد على مبدأ المساواة بين جميع المغاربة، وضمان تمتع العائدين من المخيمات بالحقوق نفسها التي يتمتع بها باقي المواطنين.
وفي تقديري، يمثل هذا التأكيد إحدى أهم الرسائل التي حملها الخطاب الملكي.
فهو يضع الكرامة الإنسانية في صلب الرؤية الوطنية، ويعبر عن إرادة حقيقية لجمع شمل الأسر وتجاوز الانقسامات التي تراكمت على مدى عقود. كما يمنح المصالحة مضموناً عملياً وشرعية تستمد قوتها من المكانة الدستورية والأخلاقية للمؤسسة الملكية.
وفي الخطاب نفسه، جدد جلالة الملك استعداد المغرب للدخول في حوار أخوي وصادق مع الجزائر، من أجل فتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية على أساس الثقة وحسن الجوار.
وتؤكد هذه المبادرة استمرار توجه ملكي لا يفصل بين الدفاع عن المصالح العليا للمملكة والسعي إلى تحقيق الاستقرار الإقليمي.
إن مستقبل المغرب الكبير لا يمكن أن يظل رهينة الخلافات والمواجهات الموروثة عن العقود الماضية. فشعوب المنطقة يجمعها مجال جغرافي مشترك وتطلعات اقتصادية واجتماعية تجعل التعاون ضرورة لا غنى عنها.
إن الدفاع عن وحدتنا الوطنية لا يعني العداء للشعوب المجاورة، بل يقتضي الدفاع بحزم عن المصالح المشروعة لبلادنا، مع الحفاظ في الوقت نفسه على فرص التعايش الأخوي والتنمية الإقليمية المشتركة.
31 أكتوبر.. موعد جديد لترسيخ الوحدة الوطنية
إن إقرار يوم 31 أكتوبر من كل سنة عيداً للوحدة، بقرار من صاحب الجلالة الملك محمد السادس أُعلن عنه في 4 نونبر 2025، منح هذه المرحلة الجديدة امتداداً رمزياً ومؤسساتياً.
فلم يكن اختيار هذا التاريخ مجرد إضافة مناسبة احتفالية أخرى، بل يعكس إرادة ترسيخ المكتسبات التي حققتها القضية الوطنية ضمن الذاكرة المدنية للمملكة.
ويربط هذا اليوم بين استحضار التضحيات الماضية والوعي بالمسؤوليات المستقبلية، كما يذكر بأن التماسك الوطني ورش متواصل، تتسلم كل الأجيال إرثه وتتحمل مسؤولية ضمان استمراره.
وبالنسبة إلى الساكنة الصحراوية المرتبطة بعمق بالعرش العلوي، تحمل هذه المناسبة دلالة خاصة، إذ تؤكد مكانتها داخل مجموع الوطن وانتماءها إلى مصير مشترك ساهمت المحطات التاريخية الصعبة في تعزيز روابطه.
وقد تزامن هذا التحول الدبلوماسي مع تعزيز ملحوظ للدعم الدولي للمقترح المغربي.
فقد شكل اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على الصحراء، في دجنبر 2020، خطوة بالغة الأهمية. كما جرى التأكيد على هذا الموقف في الرسالة التي وجهها الرئيس دونالد ترامب إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش لسنة 2026، والتي نُشرت في فاتح غشت.
واعتمدت فرنسا بدورها موقفاً يضع حاضر الصحراء ومستقبلها في إطار السيادة المغربية.
كما أعربت المملكة المتحدة عن دعمها لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساساً موثوقاً وعملياً للتوصل إلى تسوية دائمة.
أما إسبانيا، فقد أقرت بجدية المقترح المغربي وواقعيته باعتباره أساساً للبحث عن حل سياسي.
ورغم اختلاف الصياغات والمقاربات الدبلوماسية لهذه المواقف، فإن تقاطعها يعكس المكانة المتنامية للمقاربة المغربية في العلاقات الدولية، والاهتمام المتزايد بحل يستند إلى الاستقرار المؤسساتي والتعاون.
تنمية الأقاليم الجنوبية.. البعد الملموس للسيادة
لا يمكن فصل هذه الدينامية عن التحول الاقتصادي الذي تعرفه الأقاليم الجنوبية.
فقد حرصت الدبلوماسية المغربية باستمرار على الربط بين الدفاع عن السيادة وتشجيع الاستثمارات وإدماج الأقاليم الصحراوية في المبادلات الاقتصادية الإقليمية.
وقد فتح النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، الذي أُطلق في نونبر 2015 بمبادرة من صاحب الجلالة الملك محمد السادس، آفاقاً واسعة في مجالات البنية التحتية والتجهيزات الجماعية وتثمين الموارد وتنمية الكفاءات.
وتندرج ضمن هذه الاستراتيجية مشاريع تطوير الطرق، والمشاريع المينائية، والاستثمارات في مجال الطاقات المتجددة.
ويُعد مشروع ميناء الداخلة الأطلسي أحد أبرز تجليات هذا التوجه، إذ يعكس الرؤية الجيو-اقتصادية التي تسعى المملكة إلى تكريسها لأقاليمها الصحراوية، من خلال إدماجها في المسارات التجارية الكبرى التي تربط المحيط الأطلسي بعمق القارة الإفريقية.
إن تنمية هذه الأقاليم ليست عنصراً ثانوياً في القضية الوطنية، بل تمثل أحد أكثر تجلياتها وضوحاً وملموسية.
وقد قدم الخطاب الذي ألقاه صاحب الجلالة الملك محمد السادس أمام البرلمان يوم 9 أكتوبر 2026 رؤية ذات راهنية خاصة لهذه المسألة.
فمن خلال تأكيده أن الاعتزاز الوطني ينبغي أن يترجم إلى مسؤولية وواجب، وضع جلالة الملك تصوراً يرتبط بشكل مباشر بمستقبل أقاليمنا الجنوبية.
وشدد على ضرورة تعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية، وتحسين جودة الخدمات العمومية بشكل فعلي، واضعاً التنمية الترابية ومعالجة المشاكل اليومية للمواطنين ضمن الأولويات الوطنية.
كما دعا إلى تسريع وتيرة اللاتمركز الإداري، وتعزيز قدرات المؤسسات الجهوية على اتخاذ القرار والتنفيذ.
وتكتسي هذه التوجيهات أهمية كبيرة بالنسبة إلى قضية الصحراء، لأنها تؤكد أن تعزيز الانتماء الوطني ينبغي أن يترافق مع مشاركة حقيقية في تدبير الشأن العام وتحسين ملموس لظروف عيش المواطنين.
كما تدعو المسؤولين المحليين إلى التعامل مع مناصبهم باعتبارها مسؤوليات وليست امتيازات، مسؤوليات أمام المواطنين وأمام التاريخ.
ومن هذا المنطلق، ينبغي قراءة التطورات التي شهدها مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر 2026.
فخلال اجتماعه لمناقشة مستقبل بعثة المينورسو، لم يتمكن المجلس من اعتماد أي من مشروعي القرار اللذين عُرضا عليه.
وقد حصل المشروع الذي قدمته الولايات المتحدة الأمريكية على أحد عشر صوتاً مؤيداً، لكنه اصطدم باستخدام الاتحاد الروسي لحق النقض.
أما المشروع البديل الذي قدمته روسيا، فلم يحصل سوى على ثلاثة أصوات مؤيدة، ولم يتمكن بدوره من تحقيق الأغلبية المطلوبة.
وفي غياب قرار بتمديد الولاية، انتهت مهمة بعثة المينورسو في 31 أكتوبر 2026.
وقد شكل هذا التطور نهاية مرحلة امتدت 35 سنة، رافقت خلالها البعثة مختلف مراحل الآلية الأممية التي أُنشئت سنة 1991.
كما فتح الباب أمام مرحلة جديدة، يتعين تقييم أبعادها السياسية في ضوء التحولات التي عرفها التعاطي الدولي مع قضية الصحراء.
بلاغ الديوان الملكي وإغلاق صفحة من المسار الأممي
منح بلاغ الديوان الملكي الصادر يوم 30 أكتوبر 2026 لهذا التطور دلالته ضمن التوجه الدبلوماسي للمملكة.
فقد اعتبر المغرب أن عدم تجديد ولاية بعثة المينورسو يشكل تقدماً مهماً وخطوة ذات دلالة خاصة نحو الإغلاق النهائي لملف الصحراء المغربية داخل الأمم المتحدة.
وقدم البلاغ هذا التطور باعتباره نهاية لمرحلة امتدت 35 سنة، وقطيعة مع مقاربة لم تعد، وفق الموقف المغربي، منسجمة مع المعطيات الحالية للنزاع.
كما أشار إلى أن المملكة ترى في هذا التطور مدخلاً لإنهاء وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية، ووضع حد للمعالجة الدورية لهذا الملف داخل مجلس الأمن.
لقد جاء الموقف المغربي واضحاً وصريحاً.
فهو يستند إلى قناعة مفادها أن المكتسبات الدبلوماسية المتتالية والمكانة التي باتت تحتلها مبادرة الحكم الذاتي تقتضيان تحولاً عميقاً في الإطار الذي عولج ضمنه النزاع على مدى عقود.
ويكتسي هذا البلاغ أهمية سياسية خاصة، لأنه يربط بشكل مباشر بين التطورات الأخيرة والتوجه الذي حدده الخطاب الملكي ليوم 31 أكتوبر 2025.
فالاستمرارية بين المحطتين واضحة؛ إذ أعلن الخطاب الملكي عن فتح صفحة جديدة وضرورة تجاوز منطق التدبير التقليدي للنزاع، بينما وضع بلاغ 30 أكتوبر 2026 التطورات المؤسساتية الأخيرة ضمن المنظور نفسه للتحول.
وهكذا تؤكد الدبلوماسية المغربية إرادتها في ألا يظل مستقبل الأقاليم الجنوبية رهين آليات موروثة عن مرحلة تاريخية سابقة.
ويظل هذا التوجه مرتبطاً بالتزام المملكة بالحفاظ على وقف إطلاق النار وضمان أمن مواطنيها، إلى جانب مواصلة الدينامية الدبلوماسية الثنائية والإقليمية التي جعلها صاحب الجلالة الملك محمد السادس في صلب توجهاته.
ووفق التقييم الذي عبّر عنه الديوان الملكي، فإن أكثر من ثلثي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة باتت تدعم الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره إطاراً لتسوية النزاع.
ويعكس هذا التقييم الرسمي حجم الدعم الذي تسعى المملكة إلى تعزيزه خلال المرحلة المقبلة.
ومع ذلك، ينبغي أن ندرك أن الإنجازات الدبلوماسية الكبرى لا يمكن أن تكون غاية في حد ذاتها، بل تُقاس قيمتها الحقيقية بمدى قدرتها على إحداث تحول ملموس في حياة السكان.
فلا ينبغي النظر إلى الصحراء المغربية باعتبارها مجرد مجال لترسيخ السيادة، بل يتعين أيضاً أن تصبح نموذجاً في الحكامة الترابية والمشاركة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتنمية البشرية.
ويجب أن يلمس سكان العيون والداخلة، وكذلك السمارة وبوجدور، النتائج الفعلية للالتزام الوطني من خلال السياسات العمومية.
فالحصول على تعليم جيد وتكوين ملائم، وتعزيز فرص تشغيل الشباب، ودعم المبادرة الخاصة، وحماية التراث الثقافي الحساني، وتحسين الخدمات الأساسية، كلها متطلبات تمنح الانتماء الوطني معناه الحقيقي في الحياة اليومية.
إن الوفاء للعرش العلوي يجد أحد أسمى تجلياته أيضاً في الالتزام بالمساهمة في تحسين المستوى المعيشي لمواطنينا.
الصحراويون الوحدويون أمام مسؤوليتهم التاريخية
من هذا المنطلق، يتحمل الصحراويون الوحدويون مسؤولية تاريخية لا يجوز الاستهانة بها.
فمعرفتنا بالواقع المحلي وتجذرنا في البنيات الاجتماعية للأقاليم الجنوبية يشكلان رصيداً بشرياً وسياسياً ثميناً.
ويتعين إشراك المنتخبين والأطر الإدارية والجامعيين ورجال الأعمال المنحدرين من هذه الأقاليم بشكل كامل في إعداد السياسات التي سترسم مستقبلها وتنفيذها.
فالحكم الذاتي الحقيقي لا يمكن أن يقتصر على هندسة مؤسساتية تفتقر إلى المضمون الديمقراطي، بل يتطلب ثقافة قائمة على المسؤولية والشفافية، وتوزيعاً واضحاً للاختصاصات، ومشاركة فعلية للمواطنين في اتخاذ القرارات العمومية.
كما يستوجب بروز جيل جديد من المسؤولين القادرين على التوفيق بين الوفاء للثوابت الوطنية ومتطلبات التدبير الحديث والفعال للشؤون الترابية.
وتظل قضية تندوف مرتبطة بشكل وثيق بهذه المسؤولية.
فخلف عقود من المواجهة الدبلوماسية توجد حقيقة إنسانية لا يمكن لأي خطاب مؤسساتي أن يحيط بها بالكامل. هناك أسر تفرقت، وأجيال نشأت بعيداً عن بعضها البعض، وروابط عائلية وتضامنات تاريخية تحملت تبعات الانقسام الطويل.
وما زلت مقتنعاً بأن أي أفق للمصالحة الوطنية ينبغي أن يمنح مكانة أساسية لإخواننا وأقاربنا الموجودين في المخيمات.
كما ينبغي أن تتم عودتهم المحتملة إلى وطنهم في ظروف تحفظ كرامتهم وحقوقهم بشكل كامل.
إن أي سياسة حقيقية لإعادة الإدماج يجب أن توفر الإمكانات الإدارية والاجتماعية الضرورية لاستقبال العائدين، وأن تسهل ولوجهم إلى السكن والتكوين، وتعزز إدماجهم المهني، وتضمن مشاركتهم في الحياة العامة.
فالمصالحة لا يمكن أن تظل مجرد طموح نظري، بل ينبغي أن تتحول إلى مشروع إنساني قائم على ضمانات ملموسة واستعادة تدريجية للثقة.
وفي هذا السياق، ينبغي أن يظل الموقف الذي عبّر عنه صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطابه بتاريخ 31 أكتوبر 2025 مرجعيتنا الأخلاقية والسياسية.
إن التأكيد على المساواة بين جميع المغاربة والدعوة إلى الوحدة الوطنية يرسمان معالم توجه يرفض تحويل الانقسام إلى إرث دائم.
فالمصالحة التي ننشدها لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها محواً للذاكرة أو إنكاراً للمعاناة، بل يجب أن تتيح لمن فرقتهم ظروف التاريخ استعادة انتمائهم المشترك والمساهمة بحرية في صناعة مستقبلهم.
ويمكن للصحراويين الوحدويين أن يضطلعوا بدور حاسم في هذا المسار، بالنظر إلى روابطهم العائلية والقبلية ومعرفتهم بالخصوصيات المحلية، بما يسمح بتيسير الحوار وإعادة بناء الجسور الإنسانية.
وهو توجه ينسجم مع تقاليد المغرب القائمة على لمّ الشمل، ومع الإرادة الملكية الرامية إلى صون كرامة جميع المواطنين.
إن ارتباطنا بصاحب الجلالة الملك محمد السادس لا يقتصر على التعبير عن المشاعر، بل يمثل التزاماً ومسؤولية ينبغي أن يترجما إلى أفعال.
فهو يلزمنا بالدفاع عن الوحدة الوطنية، وفي الوقت نفسه بالمساهمة في بناء مؤسسات فعالة ومنصفة.
كما يفرض علينا تعزيز التماسك الاجتماعي والحفاظ على شروط التوافق، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الخاصة، ورفض كل ما من شأنه أن يجعل الخلافات المحلية سبباً في إضعاف الآفاق التي فتحتها المكتسبات الوطنية.
وتظل الملكية العلوية، في تصورنا للدولة، رمزاً للاستمرارية التاريخية والعنصر الجامع للجماعة الوطنية. وتجد سلطتها امتداداً أساسياً في التزام المواطنين الذين يساهمون، من خلال عملهم ونزاهتهم، في تحقيق ازدهار البلاد.
مرحلة جديدة تقتضي أن نكون في مستوى اللحظة التاريخية
إنني أدرك تماماً ما تمثله التحولات التي شهدتها سنتا 2025 و2026 بالنسبة إلى جيلنا.
فهي تضعنا أمام ضرورة النضج السياسي وواجب التحلي بالوضوح والمسؤولية.
لقد عزز المغرب موقعه الدبلوماسي وأكد مركزية مبادرة الحكم الذاتي، كما منح قضية الوحدة الترابية بعداً مؤسساتياً ورمزياً جديداً.
ومن خلال مواقف جلالة الملك، جرى التعبير عن رؤية لمستقبل الوطن تجمع بين الثبات على المبادئ والإرادة الصادقة للمصالحة.
والآن تقع علينا مسؤولية أن نكون في مستوى هذه الطموحات.
فلا ينبغي أن يقتصر حضور الساكنة الصحراوية على الإشارة إليها في التصريحات الدولية، بل يجب أن تشارك بشكل كامل في تحقيق الأهداف التي وضعتها بلادنا. إن التزامها التاريخي يستحق الاعتراف، كما ينبغي أن تجد مساهمتها المستقبلية مكانها في مختلف مجالات الحياة الوطنية.
إن مستقبل الصحراء المغربية لن يُكتب فقط داخل المنتديات الدبلوماسية أو في أرشيف المؤسسات الدولية، بل سيُبنى في مدننا وأقاليمنا، وفي مؤسساتنا التعليمية ومقاولاتنا.
وسيتجلى في جودة المؤسسات وثقة المواطنين، وسيتعزز من خلال حماية تراثنا الثقافي وفتح آفاق جديدة أمام الأجيال الصاعدة.
كما سيجد أسمى تعبيراته في القدرة على لمّ شمل الأسر وتحويل تنوع التجارب والمسارات إلى مصدر قوة يخدم الجماعة الوطنية برمتها.
وبصفتي صحراوياً مغربياً شديد الارتباط بهويتي وتاريخي، فإنني أظل مقتنعاً بأن وفاءنا للعرش العلوي المجيد يمثل التزاماً نابعاً من الضمير ومسؤولية تجاه الأجيال القادمة.
وتحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، تواصل المملكة مساراً تاريخياً ترتكز أسسه على استمرارية الدولة والسيادة الوطنية والكرامة الإنسانية والسعي إلى تحقيق الازدهار المشترك.
وهو المسار الذي نعتزم الإسهام فيه بثبات ومسؤولية.
إن مغربيتنا ليست مطالبة ظرفية، ولا شعوراً يتغير بتغير الظروف السياسية. إنها إرثنا والتزامنا، وذاكرة أجدادنا والوعد الذي نقطعه لأبنائنا.
إنها وفاء عميق وصامت تتناقله الأجيال، ويجد في البيعة المتجددة للعرش العلوي الأسمى تعبيره الأرقى عن الارتباط بالوطن.
إن الصحراء المغربية جزء من هذه الاستمرارية التاريخية التي يقع على عاتقنا واجب الحفاظ عليها، ومن هذا الطموح الجماعي الذي نتحمل مسؤولية تحقيقه.
ومن خلال الوفاء للملك، والالتزام بالعمل، وصون الكرامة، وترسيخ قيم التوافق، سنواصل مساهمتنا في بناء مغرب موحد ومزدهر؛ مغرب تُقاس عظمته بقدر ما يتحلى به من ثبات على قناعاته، وبقدر ما يحمله مشروعه الوطني من رؤية إنسانية جامعة.
إبراهيم ولد الرشيد
عضو المجلس الوطني لحزب الاستقلال
