محمد الشيخ بيد الله.. لماذا يعود اسمه إلى واجهة النقاش السياسي بعد انتخابات 2026؟

محمد الشيخ بيد الله.. لماذا يعود اسمه إلى واجهة النقاش السياسي بعد انتخابات 2026؟

من السمارة إلى مؤسسات الدولة.. مسار سياسي ومؤسساتي طويل يعيد اسم أحد أبرز الوجوه التاريخية لحزب الأصالة والمعاصرة إلى دائرة النقاش.

لم تُنهِ الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026 النقاش السياسي في المغرب، بل فتحت مرحلة جديدة تتعلق بتشكيل الأغلبية المقبلة، وتركيبة الحكومة، وطبيعة الشخصيات التي يمكن أن تضطلع بأدوار أساسية في المرحلة السياسية والمؤسساتية القادمة.

وبعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات بحصوله على 97 مقعداً من أصل 395، بدأت مرحلة جديدة من المشاورات السياسية، في ظل حاجة الحزب المتصدر إلى بناء أغلبية برلمانية قادرة على بلوغ عتبة 198 نائباً اللازمة لنيل ثقة مجلس النواب.

وفي خضم هذا النقاش، عاد اسم محمد الشيخ بيد الله إلى التداول باعتباره إحدى الشخصيات التي تستحق التوقف عند مسارها وتجربتها، خصوصاً بالنظر إلى تراكم مسؤوليات سياسية وحكومية ومؤسساتية شغلها الرجل خلال عقود.

لكن العودة إلى اسمه لا تعني، في هذه المرحلة، وجود قرار رسمي بشأن ترشيحه لرئاسة الحكومة، كما لا تعني أن اسمه حُسم ضمن المشاورات. فالدستور يحدد المسار الذي يتم من خلاله تعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، بناءً على نتائجها.

مسار يتجاوز العمل الحزبي

يصعب اختزال تجربة محمد الشيخ بيد الله في موقع حزبي واحد.

فالرجل، المزداد بمدينة السمارة سنة 1949، بدأ مساره من المجال الطبي والأكاديمي، قبل أن ينتقل إلى العمل السياسي والإداري والمؤسساتي.

وقد انتُخب نائباً عن السمارة، ثم تقلد عدداً من المسؤوليات الترابية، من بينها عامل سلا، ووالي جهة دكالة عبدة وعامل آسفي، قبل أن يتولى وزارة الصحة بين سنتي 2002 و2007.

كما ارتبط اسمه بحزب الأصالة والمعاصرة منذ مراحله الأولى، وتولى الأمانة العامة للحزب، قبل أن يصل إلى رئاسة مجلس المستشارين، التي شغلها بين 2009 و2015.

هذه المسيرة تمنح بيد الله تجربة متعددة المستويات: الإدارة الترابية، العمل الحكومي، المؤسسة التشريعية، العمل الحزبي، إضافة إلى الملفات المرتبطة بالعلاقات المؤسساتية والسياسية.

وهي تركيبة تجعل قراءة اسمه مختلفة عن قراءة شخصية لم تتجاوز تجربتها مجالاً سياسياً أو مؤسساتياً واحداً.

خبرة البرلمان والحكومة في مرحلة التحالفات

تكتسب هذه التجربة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الخريطة البرلمانية التي أفرزتها انتخابات 2026.

فحصول حزب الأصالة والمعاصرة على 97 مقعداً لا يمنحه الأغلبية المطلقة، ما يعني أن تشكيل الحكومة المقبلة سيتطلب التفاوض مع أحزاب أخرى وبناء تحالفات قادرة على توفير الأغلبية البرلمانية.

وفي مثل هذه المرحلة، تصبح الخبرة في إدارة المؤسسات والقدرة على الحوار والتفاوض والتعامل مع مختلف القوى السياسية عناصر حاضرة بطبيعتها في أي نقاش حول المسؤوليات الحكومية.

وهنا تبرز إحدى نقاط القوة في المسار المؤسساتي لمحمد الشيخ بيد الله: فقد سبق له أن قاد مجلس المستشارين، وعمل وزيراً، كما مارس العمل البرلماني والحزبي والإداري.

وبالتالي، فإن طرح اسمه للنقاش يمكن فهمه أيضاً من زاوية الخبرة المتراكمة في التعامل مع المؤسسات، وليس فقط من زاوية الانتماء الحزبي.

هناك جانب آخر يجعل اسم محمد الشيخ بيد الله مختلفاً في النقاش السياسي، وهو ارتباط مساره بمدينة السمارة وبقضية الصحراء المغربية.

فبيد الله ينحدر من الأقاليم الجنوبية، وكان نائباً عن السمارة، كما ارتبط اسمه بمراحل مختلفة من تدبير ملف الصحراء المغربية ، وشارك في عملية تحديد الهوية التي أشرفت عليها الأمم المتحدة خلال تسعينيات القرن الماضي.

وقد واصل لاحقاً حضوره في النقاش الوطني المرتبط بهذا الملف، من خلال مواقف وتصريحات تناولت تطور القضية ومسارها الأممي.

وتمنح هذه الخلفية اسمه خصوصية إضافية في مرحلة تظل فيها قضية الصحراء المغربية واحدة من أبرز الملفات الاستراتيجية في السياسة الخارجية والداخلية للمملكة.

لكن من المهم هنا عدم تحويل هذا المعطى إلى استنتاج سياسي مباشر.

فالانتماء إلى الأقاليم الجنوبية أو امتلاك تجربة طويلة في ملف الصحراء المغربية لا يشكل، في حد ذاته، شرطاً دستورياً لرئاسة الحكومة.

الأهمية السياسية لهذه الخلفية تكمن أساساً في الجمع بين معرفة مباشرة بالمنطقة، وتجربة مؤسساتية وحكومية، وتراكم في التعامل مع أحد أكثر الملفات حساسية في السياسة المغربية.

بيد الله.. اسم من داخل تاريخ «البام»

إعادة طرح اسم محمد الشيخ بيد الله تكتسب أيضاً دلالة خاصة لأن الأمر يتعلق بأحد الوجوه التاريخية لحزب الأصالة والمعاصرة.

فالرجل سبق أن تولى الأمانة العامة للحزب، وكان جزءاً من مرحلة تأسيسه وبناء حضوره داخل المشهد السياسي المغربي.

وبذلك فإن الحديث عن عودته إلى دائرة النقاش لا يتعلق بشخصية سياسية ظهرت فجأة بعد نتائج انتخابات 2026، وإنما بشخصية لها موقع سابق داخل بنية الحزب ومساره السياسي.

وهذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد تصدر الحزب للانتخابات، ودخوله مرحلة جديدة تتطلب الانتقال من الفوز الانتخابي إلى بناء الأغلبية وتشكيل الحكومة.

بين التداول الإعلامي والقرار السياسي

في المقابل، تفرض المهنية الصحفية التمييز بين أمرين مختلفين تماماً: تداول اسم شخصية سياسية، ووجود قرار سياسي بشأن تعيينها.

كما أن تداول أسماء أخرى داخل المشهد السياسي لا يعني بالضرورة وجود منافسة رسمية بينها على المنصب.

فالقرار النهائي يمر عبر المسار الدستوري والسياسي، وليس عبر ما يتم تداوله في مواقع التواصل الاجتماعي أو بعض المقالات والتحليلات.

ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لإعادة قراءة تجربة بيد الله تكمن في طرح سؤال أوسع: ما نوع الشخصية التي يمكن أن تكون مطروحة في مرحلة سياسية جديدة أفرزتها انتخابات 2026؟

من نتائج الانتخابات إلى مرحلة جديدة

لقد أفرزت الانتخابات خريطة سياسية جديدة، لكن الأرقام وحدها لا تجيب عن جميع الأسئلة.

فالمرحلة المقبلة ستتعلق ببناء الأغلبية، وتوزيع المسؤوليات، وتحديد أولويات الحكومة، ومواصلة الأوراش الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية، إضافة إلى التعامل مع الملفات الدولية والإقليمية التي تفرض نفسها على أجندة المملكة.

وفي هذا السياق، يمكن فهم عودة اسم محمد الشيخ بيد الله إلى النقاش باعتبارها عودة لمسار سياسي ومؤسساتي راكم صاحبه خبرة في أكثر من موقع.

وزيراً، وبرلمانياً، ورئيساً لمجلس المستشارين، ومسؤولاً ترابياً، وأميناً عاماً لحزب الأصالة والمعاصرة، وشخصية سياسية تنحدر من الأقاليم الجنوبية.

كل هذه العناصر تجعل تجربته مادة قابلة للتحليل.

ماذا تكشف عودة الاسم؟

ربما تكون أهمية عودة محمد الشيخ بيد الله إلى النقاش السياسي أقل ارتباطاً بشخصه وحده، وأكثر ارتباطاً بالمرحلة التي دخلها المغرب بعد انتخابات 23 شتنبر.

فحين تبدأ الأحزاب في البحث عن الأغلبية، وحين تفتح مشاورات تشكيل الحكومة، تعود إلى الواجهة أسماء تمتلك تجارب مختلفة وقدرة على التعامل مع المؤسسات والتحالفات والملفات الكبرى.

وفي هذه اللحظة تحديداً، يبدو أن اسم بيد الله يستعيد حضوره باعتباره أحد الوجوه التي تختزن تجربة طويلة في الدولة والحزب والبرلمان والحكومة.

ولهذا، فإن السؤال الأهم اليوم ليس فقط: لماذا عاد محمد الشيخ بيد الله إلى واجهة النقاش؟

بل أيضاً: ماذا تقول عودة هذا الاسم عن طبيعة المرحلة السياسية الجديدة التي دخلها المغرب بعد انتخابات 2026؟