ملف «قصر الكرملين» ببوسكورة يعود إلى الواجهة: إجراءات إدارية جديدة وتساؤلات حول مسطرة الهدم

ملف «قصر الكرملين» ببوسكورة يعود إلى الواجهة: إجراءات إدارية جديدة وتساؤلات حول مسطرة الهدم

إعفاء مسؤول جديد بقطاع التعمير بإقليم النواصر عقب عمليات التفتيش التي باشرتها المفتشية العامة للإدارة الترابية. ومالك المشروع، حسن حرير، يدعو إلى إعادة فحص الوثائق الإدارية التي استند إليها إنجاز المشروع والظروف التي أحاطت بعملية هدمه.

 

عاد ملف قصر الضيافة ببوسكورة، المعروف إعلامياً باسم «قصر الكرملين»، إلى واجهة النقاش من جديد، عقب بروز معطيات تتعلق بإجراءات إدارية طالت عدداً من المسؤولين بإقليم النواصر، على خلفية عمليات التفتيش التي باشرتها المفتشية العامة للإدارة الترابية التابعة لوزارة الداخلية.

فقد شملت الإجراءات الأخيرة إعفاء رئيس قسم التعمير بعمالة إقليم النواصر من مهامه، وذلك بعد إجراءات سابقة طالت الباشا  بالإقليم، وفق المعطيات المتداولة بشأن هذا الملف.

وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن عمليات التفتيش تناولت اختلالات محتملة في تدبير عدد من الملفات المرتبطة بقطاع التعمير، وفي مقدمتها ملف قصر بوسكورة الذي جرى هدمه في نونبر 2025، بعد سنوات من الأشغال.

ومن أبرز النقاط التي أثارتها المعطيات الجديدة التمييز بين الوثائق والتراخيص الإدارية التي استند إليها إنجاز المشروع، وبين الإجراءات التي رافقت عملية هدمه. إذ تفيد المعطيات المتداولة بأن المفتشية رصدت اختلالات مرتبطة بمسطرة الهدم، بالتوازي مع طرح تساؤلات حول الوضعية القانونية للوثائق التي اعتمد عليها المشروع.

وتجدر الإشارة إلى أن التقرير الكامل للمفتشية العامة للإدارة الترابية لم يُنشر للعموم، كما لم تتوفر بعد وثيقة رسمية كاملة تسمح بالتحقق من جميع خلاصاته وتحديد نطاق المسؤوليات الإدارية بدقة.

مشروع استثماري استغرق ست سنوات

بحسب تصريحات صاحب المشروع، فقد تطلب إنجاز قصر الضيافة استثماراً يناهز 19 مليار سنتيم، أي ما يعادل 190 مليون درهم، فوق عقار تبلغ مساحته حوالي 15 ألف متر مربع.

واستغرقت الأشغال نحو ست سنوات، فيما يؤكد المستثمر أن المشروع كان على بعد 25 يوماً فقط من موعد افتتاحه عندما تدخلت السلطات لتنفيذ عملية الهدم.

ويوضح صاحب المشروع أن المبادرة كانت تستهدف إنشاء فضاء يجمع بين الإيواء والأنشطة المرتبطة بتربية الخيول العربية وعرضها، مع استقطاب مهنيين وزوار من دول الخليج وأسواق دولية أخرى.

وثائق عقارية ومعمارية تعود إلى سنتي 2020 و2021

في إطار تواصلها مع صاحب المشروع، اطلعت هيئة التحرير على مجموعة من الوثائق التي وضعها رهن إشارتها، من بينها شهادة ملكية صادرة عن الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية بتاريخ 20 يناير 2020، تتعلق بالرسم العقاري عدد 63/153523، وتخص عقاراً تبلغ مساحته هكتاراً ونصف الهكتار.

كما تتضمن الوثائق صفحة من الملف المعماري تحمل توقيع المهندس المعماري بتاريخ 29 يوليوز 2021، وتأشيرة المطابقة الصادرة عن الوكالة الحضرية بتاريخ 28 يوليوز 2021، إضافة إلى توقيع رئيس جماعة بوسكورة آنذاك بتاريخ 6 غشت 2021، تحت مرجع GUbsk-0245/2021.

وتشكل هذه الوثائق عناصر مهمة لإعادة بناء المسار الإداري للمشروع، غير أن تحديد طبيعة الترخيص النهائي ومدى مطابقته للبناية التي تم تشييدها يظل رهيناً بالاطلاع على رخصة البناء الأصلية والملف الإداري والتقني الكامل.

حسن حرير: «لم أكن لأباشر مشروعاً بهذا الحجم دون الحصول على التراخيص»

في تصريح أدلى به لهيئة التحرير، أكد حسن حرير أنه باشر المشروع اعتماداً على الوثائق والمساطر الإدارية التي يقول إنه حصل عليها خلال مختلف مراحل إنجازه.

وأوضح أن المشروع عرف مساراً إدارياً تخللته إجراءات ومراسلات مع الجهات المختصة، مشيراً إلى أنه حصل على وثائق وتصاميم مؤشّر عليها خلال سنة 2021.

وفي هذا السياق، شدد على أنه لم يكن ليقدم على استثمار بهذا الحجم دون توفره، بحسب قوله، على الوثائق والتراخيص الإدارية اللازمة.

ومن بين الجوانب التي تثير الانتباه في هذا الملف مسار المهندس المعماري الذي واكب المشروع في مراحله الأولى، وشارك في إعداد تصاميمه المعمارية، قبل أن يتوقف لاحقاً عن تتبع الأشغال خلال سنة 2022.

وتشير المعطيات المرتبطة بهذا الملف إلى أن المهندس المعماري أدلى بإفادة تفيد بتوقفه عن متابعة المشروع وعدم تحمله مسؤولية تتبع الأشغال ابتداءً من ذلك التاريخ. وهو تطور يطرح تساؤلات حول الظروف التي أُعدت فيها هذه الإفادة، وما إذا كان الأمر يتعلق بمبادرة مهنية مستقلة أم بطلب أو إجراء صادر عن جهة أخرى لم تتضح هويتها إلى حدود الساعة.

كما يطرح هذا التطور سؤالاً أساسياً حول طبيعة العلاقة التي كانت تربط المهندس بالمشروع في بدايته، والظروف التي أدت إلى انتهاء مهمته، ومدى تأثير ذلك على المسار الإداري والتقني الذي عرفه المشروع لاحقاً.

وهي نقاط تستدعي التوضيح، خاصة في ظل أهمية الدور الذي يضطلع به المهندس المعماري في تتبع الأوراش وضمان مطابقة الأشغال للتصاميم والوثائق المعتمدة.

هل احترمت مسطرة الهدم جميع الضمانات القانونية؟

تكتسي هذه النقطة أهمية خاصة في ضوء التشريع المغربي المتعلق بالتعمير، ولا سيما القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير، كما تم تغييره وتتميمه، خصوصاً بموجب القانون رقم 66.12.

وتنظم المواد من 65 إلى 68، إلى جانب المادة 70، إجراءات معاينة المخالفات التعميرية وتحرير المحاضر وإحالتها على الجهات المختصة، فضلاً عن التدابير المتعلقة بإيقاف الأشغال أو تصحيح المخالفات أو هدم الأبنية، وفق الحالات والشروط التي يحددها القانون.

ومن هذا المنطلق، فإن الإفادة المتعلقة بتوقف المهندس المعماري عن تتبع المشروع لا تشكل، في حد ذاتها، قراراً إدارياً بالهدم، ولا تعوض المسطرة القانونية المنصوص عليها في التشريع الجاري به العمل.

كما أن وجود تصاميم معمارية تحمل تأشيرات إدارية لا يكفي وحده لإثبات المطابقة الكاملة للبناية المنجزة، مثلما لا يكفي وحده لنفيها. ويظل الحسم في هذه المسألة رهيناً بفحص رخصة البناء والوثائق التقنية والإدارية، ومقارنتها بالأشغال المنجزة، إلى جانب الاطلاع على الأساس القانوني والوثائق التي استندت إليها السلطات في تنفيذ عملية الهدم.

إن المستجدات المرتبطة بالإجراءات الإدارية التي طالت مسؤولين بإقليم النواصر تعيد فتح النقاش حول تدبير هذا الملف، وتطرح تساؤلات تتجاوز مسألة مدى احترام المشروع لقوانين التعمير.

فالأمر يتعلق أيضاً بكيفية تدبير مختلف مراحل الترخيص والمراقبة الإدارية، وأسباب استمرار الأشغال لسنوات، والأسس القانونية التي استندت إليها السلطات لاتخاذ قرار الهدم وتنفيذه.

وفي انتظار الكشف عن الخلاصات الكاملة للمفتشية العامة للإدارة الترابية والوثائق الإدارية والقضائية المرتبطة بالقضية، تظل العديد من الأسئلة مطروحة بشأن المسؤوليات والقرارات التي رافقت هذا المشروع.

إن ضمان الشفافية واحترام المساطر القانونية وتمكين جميع الأطراف من عرض وجهات نظرها تبقى عناصر أساسية لتوضيح حقيقة هذا الملف، الذي خلف تداعيات استثمارية وإدارية مهمة.