9 يوليوز 2026

القيادة التربوية الجديدة في مدارس الريادة: الفريق الثلاثي ركيزة بنيوية لتعميم التجربة وضمان استدامتها

القيادة التربوية الجديدة في مدارس الريادة: الفريق الثلاثي ركيزة بنيوية لتعميم التجربة وضمان استدامتها

 

يُعدّ التأطير الميداني والقيادة القريبة من الفصل الدراسي من أبرز عوامل القوة في أي مشروع تربوي وطني، باعتبارهما المحرّكين الفعليين لتطوير الممارسات التعليمية داخل القسم. وإذا كانت المرحلة الأولى من تجربة مدارس الريادة قد أبرزت أهمية تكوين الأساتذة في التعليم الصريح ودعم التعلمات الأساسية، فإن مرحلة التعميم كشفت أن مفتاح النجاح لا يكمن في كثرة التكوينات أو وفرة التجهيزات، بل في إنشاء بنية مهنية داخلية قادرة على ضمان المواكبة اليومية المستمرة. وهذا الدور تجسّده تحديدًا وظيفة الأستاذ المنسق.

ظلّ النظام التعليمي المغربي يعتمد لعقود طويلة على نمط هرمي في التأطير، يرتكز على المفتش التربوي كفاعل وحيد في المواكبة والتقويم. غير أن هذا النموذج لم يعد كافيًا في ظل تعميم مدارس الريادة، إذ إن عدد المؤسسات والأقسام المعنية يفوق بكثير القدرة الفعلية للمفتشين على التغطية الميدانية الشاملة. من هنا، جاء نموذج الأستاذ المنسق ليُشكّل مع مدير المؤسسة والمفتش التربوي فريقاً ثلاثياً يمثّل تحولًا نوعيًا من “القيادة الإشرافية العمودية” إلى “القيادة التشاركية الميدانية الأفقية”. وهذه المقاربة ليست ابتكارًا محليًا منعزلًا، بل تعكس توجهًا عالميًا مُثبَت النجاعة: ففي كينيا، أسهمت شبكة المدرّبين الميدانيين في نجاح برنامج توسومي الوطني للقراءة المبكرة، وفي كندا اعتمدت مقاطعة أونتاريو على نموذج الأساتذة القياديين بدعم من الإدارة المدرسية لتوسيع تجربة الحق في القراءة، مما أدى إلى رفع نسب الفهم القرائي بنحو 20 في المائة خلال ثلاث سنوات. إذن، يسير المغرب في الاتجاه الصحيح: نحو لامركزية مهنية في المواكبة التربوية قائمة على التعبئة الجماعية للفريق المحلي.

ومن منظور اقتصاديات التعليم، يُعتبر تكوين الأساتذة عبر المنسقين، وبإشراف مباشر من الإدارة التربوية، أكثر كفاءة واستدامة من التكوينات المركزية التقليدية. فالتكوين الداخلي يخفّض التكلفة بنسبة تقارب 40 في المائة مقارنةً بالتكوينات الخارجية، ويضمن في الوقت نفسه أثرًا تربويًا أعمق وأطول أمدًا، لأن المرافقة تتم ضمن السياق الطبيعي للعمل الصفي. وقد أظهرت تقارير الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين خلال السنة الدراسية 2024-2025 أن المنسقين، بالتنسيق والدعم اليومي من مديري المؤسسات، نجحوا في تغطية جميع المؤسسات المدرجة ضمن مشروع الريادة، مما يدحض الادعاء بوجود ضعف في التأطير. بل أكثر من ذلك، فإن الوزارة، من خلال تكوين هؤلاء المنسقين وتزويدهم بأدوات التتبع والمواكبة، تبني طبقة قيادية تربوية جديدة داخل المدرسة تجمع بين الخبرة العملية والمعرفة البيداغوجية والتدبير الإداري، مما يجعلها المحرك الحقيقي لتعميم مدارس الريادة وضمان ديمومتها.

ورغم نجاح التجربة ميدانيًا، فإن استدامتها تتطلب الانتقال من الطابع التجريبي إلى الإطار القانوني الواضح، ذلك أن غياب الصفة القانونية المحددة قد يُضعف استمرارية هذا الدور، ويؤدي إلى تفاوت في الأداء والتغطية بين المؤسسات. لذا ينبغي أن تشمل مأسسة وظيفة الأستاذ المنسق وتكامله مع الإدارة عناصر أساسية: تحديد المهام في المذكرات التنظيمية الرسمية، من مواكبة صفية وتتبع لمؤشرات الأداء وتيسير للتكوينات المصغّرة داخل المؤسسة تحت إشراف المدير؛ وتحديد نطاق الإشراف بحيث لا يتجاوز عدد الأساتذة المواكَبين ستة إلى ثمانية أساتذة لكل منسق؛ واعتماد نظام تعويضات دورية مشروط بالأداء والإنجاز الفعلي؛ وتمكين المنسق من المشاركة الفعلية في اجتماعات القيادة التربوية على مستوى المديرية الإقليمية. بهذه الخطوة، يتحول المنسق من حل إجرائي إلى فاعل مؤسساتي دائم يضمن استمرارية الإصلاح، ويربط الممارسة الصفية بالتخطيط الجهوي والوطني.

إن القول بأن تعميم مدارس الريادة يصطدم بنقص المؤطرين يتجاهل حقيقة أن الوزارة قد تبنّت فعليًا حلًا هيكليًا لهذه الإشكالية. فالمنسق التربوي ليس “مؤطرًا بديلًا” أو “بالوكالة”، بل هو قائد تربوي ميداني يعمل داخل المؤسسة ذاتها بتكامل مع رئيسها، ضمن منطق “التأطير الأفقي والتدبير المقيم” الذي يُكمل “التأطير العمودي” الذي يقوم به المفتشون. وقد أثبتت هذه البنية الثلاثية المتكاملة، الجامعة بين المفتش والمدير والمنسق، فعاليتها في ضمان استمرارية الدعم التربوي، خاصة في المناطق القروية والنائية التي يصعب فيها تكرار زيارات التفتيش.

وتجربة الأستاذ المنسق ليست مجرد آلية لسد الخصاص، بل هي تصوّر جديد للقيادة المدرسية يرتكز على تحويل المدرسة إلى منظمة متعلّمة تمتلك مواردها البشرية الداخلية للتطوير الذاتي المستمر. فالمدرسة التي تضم مديراً قائداً ومنسقًا فعّالًا لا تنتظر زيارات التفتيش لتصحيح الممارسات، بل تُنتج خبرتها التربوية الخاصة وتتبادلها أفقيًا بين الأساتذة وعمودياً مع الإدارة والتفتيش. هذا التحول يُجسّد فلسفة “المدرسة التي تتعلم لتُعلّم”، وهو ما يجعل هذا الفريق الثلاثي الركيزة الأساسية لاستدامة مدارس الريادة وتطويرها.

إن نجاح تعميم مدارس الريادة لا يتوقف على ضخ الموارد المادية أو تعديل المناهج، بل على بناء قيادة تربوية لامركزية تنبع من داخل المؤسسة التعليمية ذاتها. لذلك، فإن تقنين وظيفة الأستاذ المنسق لم يعد خيارًا تنظيميًا، بل ضرورة استراتيجية لضمان جودة التعلمات الأساسية واستدامة الإصلاح التربوي. وكما تُظهر التجارب الدولية المقارنة، فإن تجاهل هذا المعطى قد يؤدي إلى إفراغ الإصلاح من مضمونه، بينما الاعتراف القانوني والمادي بهذا الفريق الثلاثي، المفتش والمدير والمنسق، سيضمن للمغرب نموذجًا فريدًا ومتميزًا في القيادة التربوية الذكية والمستدامة.

 

 

نبيل بلالة