قاسم العجلاوي مؤلف ومخرج مسرحي

بدعم من وزارة الشباب الثقافة والتواصل /قطاع الثقافة ، وبتعاون مع المعهد العالي للفن الدرامي والتنشيط الثقافي ، قدمت فرقة AKOUN THÉÂTRE مسرحية حدائق الاسرار بمسرح ابن مسيك مساء يوم السبت فاتح أكتوبر 2022
العرض المسرحي من إخراج المبدع محمد الحر ،وتشخيص الفنانتين جليلة التلمسي وهاجر الحميدي والمقتدر ياسين احجام ،سينوغرافيا مصطفى العلوي بمعية ثلة من التقنيين في مجالات الصوت والملابس والمحافظة العامة والتواصل
يتميز عرض حدائق الاسرار بنصه القوي الذي نجح بشكل لافت في المزاوجة بين العربي الفصيح و الدارجة العامة المشتركة بين أبناء الوطن ،نص عربي قوي وظفه المخرج في لحظات الحكي والبوح والمكاشفة بين أفراد اسرة يجمعهم سقف بيت واحد ولكنهم غرباء عن بعضهم في مشاعرهم وذكرياتهم، وحتى احلام مستقبلهم ،فبقدر ما يحيلنا النص العربي إلى عوالم الشعور الواعي بذاته واللاشعور الخفي بمكبوثاته ،بقدر ما تجرنا الحوارات المتبادلة بين الممثلين بالدارجة إلى الرجوع الى عمق الاحاسيس الحزينة والمؤلمة حد النفور والكراهية كما يتجلى في حوارات البنت تجاه أبويها المجبرة على الزواج بشخص لاتحبه ولا تريد أن تستنسخ قصة امها التي عشقت بجنون وتزوجت عن غير حب وتحولت حياتها إلى جحيم ، البنت تقاوم بوعي وإرادة ولا تريد تكرار التجربة ، تلخص المقاومة في جملة… اعرف متى تبدأ القصة ومتى تنتهي ،لانها قصتي انا …

الأب ، تائه بدوره لا يعرف كيف تزوج ولا كيف يتخلص من علاقة مع زوجةهي بمثابة أمرأة يشعر انها غريبة عنه ،ولكنه مجبر على الاستسلام لهذه الحياة الكئيبة معتقدا أنه لا ذنب له فيها …

رغم أن قصة النص جد مستهلكة طالما تناولتها الأقلام والمعالجات الدرامية فإن الاعداد الدراماتورجي للنص منحه
جدة وجدية في بناء الحدث وتناميه الدرامي واكتشاف طبيعة أحاسيس الشخصيات عبر مختلف المواقف الاحادية الام/الزوجة/البنت/ الأب /الزوج الثنائية بين الزوجين أو بين الام والبنت أو الأب والبنت أو الثلاثية بين أفراد الأسرة جمعاء عند مناقشة فكرة الحب والزواج أو في خاتمة العرض عند مواجهة حقيقة الفشل والسقوط والوقوف من طرف الممثلين الذين منحوا سيرورة العرض ايقاعا قويا في بناء الأحداث وتناميها الدرامي تارة بالإلقاء الجميل المؤثر وتارة بالحركة المعبرة تفاعلا مع مختلف العناصر السينوغرافية المؤثتة للفضاء كما شاهدنا المبدعة جليلة التلمسي في تعاملها مع رسائل العشق في مستويات ومسطحات مختلفة حركة وإضاءة بشخصية أتقنت دورها إلى درجة التماهي سواء كزوجة تعيش حياة ميتة بدون حب مع رجل غريب ، او كأم متعاطفة مع ابنتها لكي لا تكرر مأساتها والخائفة أيضا على مصيرها وتريد ان تؤمن لها حياتها ولو بدون حب ، ،وبنفس قوة الأداء كانت الفنانة هاجر الحاميدي حاضرة كمبدعة في يوم عرسها ونحسها ,بلباس ابيض على خلاف امها وأبيها المسكين بلباس اسود ،بنت تعيش واقعا حزينا اختزلته في حكيها عن جدران وثلاجة التصقت خلفا بها لتفرغ في تلك الحركة كل هواجسها ، بنت في مواجهة قرارات الاكراه تحت سلطة الكلمة/الأب، بوعي التحرر/البنت التي تريد الانفلات باي وجه موتا او استسلاما أو خلاصا بدون ثوب زفاف ابيض ،بل بزي اسود شفاف كبقية أفراد الأسرة ،وموازاة مع أداء الممثلثين. كان اختيار الرائع ياسين احجام رائعا وحضوره اروع سواء كاداء حركي اوكإلقاء صوتي لتجسيد دور اب متسلط أو زوج حاضر غائب.

على المستوى السينوغرافي جدران سوداء وأبواب كبيرة تفتح وتغلق بغرابة ومرايا تعكس ذوات مغتربة عن ذاتها وعن غيرها لتمنح العرض التميز والجمالية المطلوبة سواء في توظيف آليات الصوت الميكروفوني عند الإلقاء أو بث الخطابات الحوارية أو التحاورية مع استغلال جيد لتقنيات الصوت والإضاءة سواء تلك الموضوعة فوق. الركح والمتحركة مع حركية الدور والموقف أو الهندسة الضوئية المسلطة من فوق او عبر الأروقة مع توظيف مبسط للميكروفونات الجرافية والمروحيات الموضوعة في جانبية الركح ،وفي جانب آخر جمجمة الرجل ظلت وحدها حاضرة شاهدة على الأحداث ما مضى منها وما حضر طيلة العرض بيضاء تحت الإضاءة في قراءة رسائل العشق والشوق ،جدران على شاكلة ابواب تفتح وتغلق ومرايا تعكس حقيقة الأفكار والنوايا ،مع جمالية في إسقاط الورق من فوق في نهاية المشهد على الأب والبنت ولكن صوت محرك الاسقاط المزعج خلق تشويشا أفسد متعة التلقي .

التصور الإخراجي للعرض
مقاربة إخراجية إبداعية لمحمد الحر تجلت في تحويل قضية بسيطة إلى معالجة درامية قوية اولا في تقسيم حواراتها بين العربي الفصيح بإلقاء قوي والدارجة كلغة الام والوجدان
وثانيا في الكاستينغ الموفق وفي توجيه الأداء التشخيصي للممثلين دون إجحاف أواستخفاف لمنح العرض لحظات صادقة مستفزة وممتعة أيضا

ثالثا في التصور الفضائي الذي الذي منح الفنان مصطفى العلوي تاثيثا سينوغرافيا معبرا في وظيفته وجميلا في مشاهدته ،بقطع ديكور واكسوسوارات متحولة ومتحركة ،سواء في خلفياته أو الجدران والأبواب والكراسي والمصباحين والمروحيتين والميكروفين اليدويين وكأس الماء وباقة الورود البيضاء التي تحولت إلى قطع متناثرة تعبيرا عن غضب متفجر ،سواد قاتم يخيم على المكان كأننا في غرفة مظلمة أوغرفة مغلقة بالتعبيرالوجودي عند سارتر ،الكل يموت واقفا اوساقطا على حد سواء ،سقوط متكرر لكل الذوات بمثابة إعلان عن موت متكرر لاجساد بدون أرواح.

ملكة فنية ا بداعية يمتلكها سي محمد الحر بتكوينه الاكاديمي وتجربته العميقة في مجال الإبداع المسرحي ممثلا ومخرجا
لصياغة عرض قوي في رؤيته الاخراجية و صادق في ادائه التشخيصي وجميل في أبنيته السينوغرافية .

فقط سؤال حاصرني ،لماذا الملصق الإشهاري بالفرنسية والعرض بالعربية الفصحى ،فمن يخاطب من ؟؟؟؟

أخبار ذات صلة

الرباط عاصمة للتراث الثقافي العالمي غير المادي من 28 نونبر إلى 3 دجنبر المقبل

ضبط منة شلبي في مطار القاهرة بتهمة حيازة المخدرات

المخرج والفنان محمد عاطفي في ذمة الله

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

@