خلال الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها تونس على خلفية تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، برزت حركة “الجيل الخطأ” وأثارت الجدل بطريقة احتجاجها الجريئة ومطالبها، وانقسمت الآراء حولها بين مؤيد ومنتقد. وحركة “الجيل الخطأ” ترفض الإدلاء بتصريحات لوسائل الإعلام، لكننا تمكنا من الحديث مع شبان يشعرون بأن هذه الحركة تمثلهم وتعكس آراءهم وتوجهاتهم، وكان ذلك خلال مشاركتهم في وقفة احتجاجية أمام قصر العدالة في تونس للمطالبة بإطلاق سراح “أيوب” الذي أوقف على خلفية المظاهرات الأخيرة. ويتابع الآلاف صفحة الحركة على فيس بوك فيما لقيت صدى خاصة لدى الشباب الذي يرغب في التغيير. فما هي حركة “الجيل الخطأ”؟

“الجيل الخطأ يطلق على كل شخص خارج عن المعايير الأخلاقية الموجودة، ويخرج ويثور على المنظومة السياسية الفاسدة والمنظومة الأخلاقية والمنظومة السياسية الحاكمة” بهذه الكلمات شرح طالب الفلسفة خالد 21 عاما السبب الذي يجعل من “الجيل الخطأ” حركة تمثله.

وتابع خالد ” الجيل الخطأ ليس حركة سياسية وإنما هي حركة ثقافية، أخلاقية، سمها كما تريد هي بمثابة ثورة على جميع الأصعدة…”

وحركة “الجيل الخطأ” أكدت في مناسبات عدة على صفحتها على فيس بوك رفضها القطعي الحديث لوسائل الإعلام حتى لا تتم شخصنة مفهومها، مشيرة إلى أن كل شخص يشعر بالانتماء للجيل الخطأ فإنه لا يتحدث باسم الحركة وإنما “باسمه الشخصي”.

تمكنت من الحصول على تصريحات من بعض الشبان المنتسبين لها خلال مشاركتهم في وقفة احتجاجية يوم 17 فبراير نظمت أمام قصر العدالة بتونس لمساندة أيوب خلال جلسة محاكمته، والمطالبة بإطلاق سراحه وسراح جميع الموقوفين على خلفية المظاهرات التي شهدتها تونس مؤخرا بسبب تردي الأوضاع الاجتماعية في البلاد.

ويذكر أنه في الذكرى العاشرة للثورة التونسية التي صادفت يوم 14 يناير 2021، خرجت احتجاجات ليلية في عدة مدن لا سيما في الأحياء المهمشة ثم توسعت وتلتها سلسلة مظاهرات أسبوعية منددة بالوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في البلاد.

و”الجيل الخطأ” حركة جديدة برزت عام 2020 وشاركت في العديد من الاحتجاجات المحورية خلال الفترة الأخيرة في تونس على غرار الاحتجاجات ضد قانون زجر الاعتداء على الأمنيين في شهر أكتوبر الذي ألغي لاحقا، ثم خلال الاحتجاجات الأخيرة المطالبة بالعدالة الاجتماعية.

واعتبر “الجيل الخطأ” نقطة فارقة في الاحتجاجات الأخيرة مارقة عن التصنيفات التقليدية وتحمل مواقف ورؤية تهدف لتغيير النظام “القمعي” في تونس حسب رأيهم. وتؤكد المجموعة في تدوينة نشرتها على صفحتها في فيس بوك التي يتابعها الآلاف يوم 9 فبراير أن “الجيل الخطأ كتسمية تتجاوز القراءة الأولى التي تربطها بفترة زمنية أو فئة عمرية محددة، هي ترجمة لمعركتنا مع نظام طبقي مارس علينا العنف كما مارسه على من قبلنا.”

وخلال الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها تونس أثارت هذه الحركة الجدل بسبب طريقة احتجاج المنتسبين إليها والشعارات والمطالب التي رفعوها.

حيث اعتمد “الجيل الخطأ” أسلوبا جريئا في التعبير عن آرائه ومطالبه من خلال مصطلحات وحركات تُصنف بذيئة في المجتمع التونسي كما رفع المنتسبون لها شعارات من بينها المطالبة بحقوق الأقليات في بلد ذي أغلبية مسلمة، ما أثار الجدل حولهم وانقسمت الآراء بين مؤيد ومنتقد لهم.

مطالب هذه الحركة لا تختزل في هذه الشعارات فقط كما يعتقد البعض، فهم اليوم يساندون حراك الفلاحين، في منطقة جاب الله من محافظة المهدية، الذين خرجوا للتظاهر احتجاجا على غلاء أسعار المواد الأولية وتوريد المنتوجات من الخارج، لكن احتجاجاتهم قوبلت بالقمع على أيدي قوات الأمن.

ومن أبرز مطالب هذه الحركة وفق بيان نشرته على صفحتها على فيس بوك “الإفراج عن جميع الموقوفين والموقوفات، حل نقابات القوات الحاملة السلاح، الترفيع في الحد الأدنى للأجور والحد من التشغيل الهش، إرساء منظومة جبائيّة تصاعديّة وإرساء نظام الضريبة على الثروة، نشر القائمة الرّسميّة لجرحى وشهداء الثورة، إلغاء القوانين 230/ 226 والقانون 52، ترسيخ سياسة إصلاح زراعي تحقق الاكتفاء الذاتي وتتجاوب مع التغيرات المناخية.”

خالد قال إنه يشعر بأن “الجيل الخطأ يمثلني لأني لا أرى نفسي داخل القوالب الجاهزة التي يتبعها المجتمع، أرى أن الكلام البذيء يمثلني في الحركات الاحتجاجية، كما أرى أن طريقة الاحتجاج لا تنحصر في أن تقف أمام المسرح وترفع لافتات وتقول بعض الشعارات وينتهي الأمر… لا هناك طرق جديدة للاحتجاج … ليس هناك أخلاق احتجاج، ليس هناك أوقات للاحتجاج، لا ليلا ولا نهارا، ولا أحد يملك الأحقية بأن يمنحك تصريحا بالاحتجاج.”

ولهذه الحركة التي نجحت بالأساس في استقطاب الشباب الذين كانوا أطفالا وقت الثورة شعار وعلم يحمل الألوان الأبيض والأسود الأحمر كتب عليه بالإنكليزية “الجيل الخطأ – الحركة المضادة للفاشية.”

نسرين التي رفضت الكشف عن هويتها وقدمت نفسها باسم مستعار تبلغ 22 عاما قالت لوسائل الإعلام” الجيل الخطأ كتوجه، كحركة وكإيديولوجيا بصفة عامة تمثلني لأنها بالأساس ضد الفاشية كإيديولوجيا، ضد كل ما هو قمع كل ما هو تفرد بالسلطة كل ما هو انتهاك للحريات الفردية”.

وتابعت نسرين “هي إيديولوجيا تنادي بأبرز المطالب الاجتماعية لاسيما الشغل والكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية، لهذا أشعر بالانتماء لهذه الحركة وهي الحركة الوحيدة التي شعرت أنها تمثلني منذ 2011.”

ومطالب “الجيل الخطأ” اختزال لواقع تونس بعد عشر سنوات من الثورة. فرغم مرور عقد من الزمن عليها، يشعر التونسيون بأن العديد من مطالبهم الاجتماعية لم تحقق، أبرزها القضاء على الفقر والبطالة، حيث سجل الاقتصاد التونسي خلال كامل سنة 2020 تراجعا غير مسبوق بنسبة 8.8 في المائة، وفق المرصد الوطني للإحصاء، ما يزيد في نسبة الفقر والبطالة في البلاد.

وعلى مستوى آخر ويوم 4 فبراير أصدرت العشرات من الجمعيات والمنظمات الوطنية والسياسيين بيانا مشتركا يندد “بالقمع” الذي تمارسه قوات الأمن في سياق الاحتجاجات الأخيرة، ما يعتبر ضربا لأحد مكاسب الثورة وهي الحرية وضمان الحق في التعبير.

وكانت الاحتجاجات قد اشتدت في سياق سياسي متأزم لا سيما بسبب تجاذبات وتوترات بين رئيس الجمهورية قيس سعيّد ورئيس الحكومة هشام المشيشي أساسا على خلفية تعديل وزاري.

ومن الشعارات التي ترفعها هذه الحركة “الجيل الخطأ ضد الجيل الفاسد” “سيب الموقوفين”، و”سيب البلاد” و”تسقط الطبقية” و”تسقط دولة البوليس”، وأبرزها شعار يعكس الكثير من الغضب، “تحت الزليز برشا تكريز” والذي يرجح أنه اختزال لكلمات أبو القاسم الشابي “حذار فتحت الرماد اللهيب” كما جاء في إحدى المقالات الصحفية التي تناولت هذه الظاهرة.

نسرين التي كان عمرها 12 عاما وقت الثورة قالت ” لم أكن واعية سياسيا بما يكفي آنذاك لكني أدرك اليوم أنه لم يتغير شيء منذ 2011 حتى 2021، الأمر الذي نمّى الكثير من الغضب داخلي لذلك فإن أبرز شعارات الجيل الخطأ التي تمثلني -تحت الزليز برشا تكريز- لأنه يعبر عن حجم الغضب داخلنا…”.

سامح 25 عاما، يمثله هذا الشعار أيضا حيث قال “هو أول شعار جلب انتباهي لأننا جيل غاضب.. هذه العبارة تلخص كل شي وتابع سامح “نحن نعيش مع منظومة لا تعرف كيف تتعامل معنا، لأنها منظومة تجهلنا لا تعرفنا، لا تفهم أفكارنا ومطالبنا ولا تعرف كيف نفكر..  لهذا نحن لن نستسلم وسيزداد عددنا يوما بعد يوم”.

خالد طالب الفلسفة قال إن أبرز الشعارات التي تمثله في هذه الحركة “حريات حريات للعابرين والعابرات، حريات حريات للكويريين والكويريات، المساواة بين المرأة والرجل، المساواة بين الجهات. وتابع خالد “في هذه الشعارات خروج عن الشعارات التي تطالب بالتنمية وبالكرامة وبهذه المطالب التي تعودنا أن تكون أساسية في الاحتجاجات.. إلا أن الحركة تنطلق من مبدأ الدفاع عن حقوق الأقليات، لا نقتصر على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، نحن ندافع عن الحريات الفردية وحقوق النساء وحقوق مجتمع الميم عين في تونس، فأي شعار له علاقة بالحقوق الفردية يمثلني.”

وفي تفكيك لهذه الظاهرة قال حمزة نصري وهو ناشط سياسي وحقوقي ونائب رئيس فرع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان “من يريد فهم هذه الظواهر الشبابية الجديدة على غرار الجيل الخطأ وروح المقاومة وروح الثورة وهذه الأطر والفضاءات الشبابية الجديدة التي بصدد التشكل في السنوات الأخيرة، يجب أن يفهم أن الشباب قام بتشكيلها، وأن هذا الشباب فقد اليوم ثقته في الفاعلين السياسيين الكلاسيكيين”

وأوضح نصري قائلا “نحن في الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أجرينا منذ عامين دراسة تمثيلية للشباب أثبتوا وأعلنوا وأعربوا فيها عن رفضهم لأشكال التنظم المركزي وفقدان الثقة في أشكال التنظم الكلاسيكية التي يرون أنها لا تعبر عنهم ولا تحمل همومهم.”

وتابع نصري “تجربة الجيل الخطأ حسب رأيي وأنا لست جزءا منها ولا أتحدث باسمها، هي تجربة جاءت لتميط اللثام عن رؤى وتصورات وتقديرات واعتبارات شبابية جديدة… يعتقد أصحابها أن تمثلاتها غائبة عن الخطاب الرسمي… وأنها سردية من سرديات الهامش وخطاب من خطابات الهامش الذي يعبر من خلاله عن مقاومة ورفض السردية الرسمية وسردية السلطة وسردية المعارضة أيضا التي يعتبرونها اليوم جزء من سردية السلطة.”

وعن مستقبل هذه الظاهرة قال حمزة نصري أعتقد “أنه مادامت الأطر الكلاسيكية والقديمة غير قادرة على استيعاب الشباب ومادامت السردية الرسمية غير قادرة على استيعاب الشباب فإن هذه التجربة وتجارب شبيهة لها ستلقى صداها وستلقى عمقها عند الشباب.”

أخبار ذات صلة

إدريس الأزمي يستقيل من رئاسة المجلس الوطني ل”البيجيدي” وأمانته العامة + (وثيقة)

الرميد يقدم استقالته من حكومة سعد الدين العثماني

الابتكار الرقمي للمقاولات الناشئة في خدمة الإنتعاش الاقتصادي النسخة التاسعة من inwi Days

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

@