اختلاف الطرق ووحدة المقصد.. مؤتمر دولي ببني ملال يستكشف لغات التصوف ومسالك التأويل
نادية أبكري
أعلن البروفيسور منير وسكوم عن البرنامج الرسمي للمؤتمر الدولي ” التصوف والتقاليد العرفانية: الأشكال واللغات ومسالك التأويل، اختلاف الطرق ووحدة المقصد”، الذي تحتضنه كلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال، جامعة السلطان مولاي سليمان، يومي 25 و26 نونبر 2026.
وينظم هذا الموعد العلمي المتعدد التيمات من طرف مختبر الأبحاث التطبيقية في الأدب واللغة والفن والتمثلات الثقافية (LRALLARC)، بشراكة مع مؤسسة محمد بصير للأبحاث والدراسات والإعلام، والمركز الوطني للبحث العلمي والتقني (CNRST)، وجمعية أوريكا (Euréka).
ويكشف البرنامج عن تصور علمي يقوم على مسارين متوازيين ومتكاملين: الأول مخصص للجلسات العلمية للأساتذة والباحثين، والثاني جلسات للتميز لفائدة طلبة الدكتوراه، بما يتيح للباحثين الشباب وطلبة الدكتوراه الانخراط في النقاش العلمي إلى جانب الباحثين ذوي الخبرة. ويؤكد البرنامج الرسمي أن هذا المسار الدكتورالي ينعقد بالتوازي مع الجلسات العامة للمؤتمر. وفي تقديمه للبرنامج الرسمي للمؤتمر صرح البروفيسور منير وسكوم مدير المؤتمر قائلا:
“يسعدنا أن نعلن عن البرنامج الرسمي لمؤتمرنا الدولي “التصوف والتقاليد العرفانية”، الذي يمتد على مدى يومين حافلين بالنقاش والتبادل العلمي، من خلال برنامجين متوازيين: جلسات علمية عامة، وجلسات للتميز لفائدة طلبة الدكتوراه والباحثين الشباب”.
التصوف من سؤال التجربة إلى سؤال اللغة والتأويل
لا يتعامل المؤتمر مع التصوف بوصفه موضوعا دينيا أو تاريخيا فحسب، بل يضعه عند تقاطع الأدب واللغة والتأويل والسيميائيات والترجمة والفنون والدراسات الثقافية والتراث. وهو ما تعكسه المحاور السبعة للجلسات العلمية الرئيسية، التي تنتقل من سؤال التعبير عن التجربة الصوفية وما يستعصي فيها على القول، إلى المجاز والمصطلح الصوفي، والجسد والصمت، والتفسير والولاية والتراث، وصولا إلى المقاربات المقارنة للتصوف في الآداب والثقافات.
وتبرز في البرنامج أسماء وتجارب فكرية وأدبية متعددة، من ابن عربي وأحمد بن عجيبة وعبد الرحمن المجذوب وأحمد زروق، إلى تمثلات التجربة الصوفية في الأدب الحديث والمعاصر لدى عبد الوهاب المؤدب، ومحمد لفتاح، وإليف شافاق، فضلا عن حضور قضايا الخط والفن والسينما والذاكرة والترجمة والتواصل بين الثقافات.
كما يمنح المؤتمر بعداً مقارنا ودوليا واضحا، من خلال حضور باحثين ينتمون إلى مؤسسات جامعية وعلمية من المغرب وفرنسا وتونس وبوركينا فاسو والسنغال، إلى جانب عدد مهم من أساتذة جامعة السلطان مولاي سليمان وبقية الجامعات المغربية. ويظهر هذا التنوع منذ جلسات الأولى التي تجمع باحثين من معهد تولوز الكاثوليكي ومعهد صوفي ببوركينا فاسو وباحثين من المجلس العلمي المغربي، وغيرهم، قبل أن تتسع المشاركات في باقي الجلسات.
ومن بين المحاور اللافتة أيضا تخصيص جلسة لـ “التصوف في مصادره: التقاليد العرفانية، المقامات والإرث الطرقي المغربي”، بما يفتح النقاش حول التقاليد العرفانية لدى متصوفة المغرب، وثنائية الظاهر والباطن عند الإمام ابن عجيبة، والمقامات والأحوال الصوفية، والعلاقة بين الفقه والتصوف عند الشيخ أحمد زروق.
فضاء للتميز لطلبة الدكتوراه والباحثين الشباب
ومن أبرز خصوصيات البرنامج تخصيص مسار علمي مواز تحت عنوان “التميز الدكتورالي والباحثون الشباب يمتد بدوره على مدى يومي المؤتمر، ويتيح للباحثين الشباب تقديم أعمالهم ضمن محاور دقيقة تتصل مباشرة بالإشكالات المركزية للملتقى.
ففي اليوم الأول، تناقش جلساته المعجم الصوفي ودلالة ما يستعصي على التعبير، والاستعارة المفهومية والبنيات الإدراكية للخطاب الصوفي، قبل الانتقال إلى إشكالات ترجمة السر ونقل الذاكرة والتعبير عن التجربة التي تتجاوز حدود اللغة.
أما اليوم الثاني، فينفتح البرنامج الدكتورالي على خطاب عبد الرحمن المجذوب والحكمة الصوفية المغربية العامية المتداولة، والتأويل وفضاءات المقدس وصراعات المعنى، والتجربة الصوفية داخل الرواية، ثم الجسد والصورة والسينما وتقديس الكلمة. ويبرز هنا اتساع المقاربة من النصوص والمفاهيم إلى أشكال التعبير السمعي والبصري والثقافي المعاصر.
وبذلك لا يظهر مسار الباحثين الشباب باعتباره نشاطا هامشيا موازيا، وإنما باعتباره مكونا أساسيا من هندسة المؤتمر، بما يعكس الرهان على تكوين جيل جديد من الباحثين وإتاحة فضاء أكاديمي للحوار بين الخبرة العلمية الراسخة والبحث الدكتورالي الصاعد.
اختلاف الطرق ووحدة المقصد
يحمل العنوان العربي للمؤتمر “التصوف والتقاليد العرفانية: الأشكال واللغات ومسالك التأويل، اختلاف الطرق ووحدة المقصد”. دلالة تتجاوز البعد التنظيمي؛ فالتعدد الذي يستحضره المؤتمر ليس تعددا في الطرق والتجارب الصوفية وحدها، وإنما أيضا في اللغات والمناهج والحقول المعرفية التي تحاول مقاربة التجربة العرفانية الكونية وفهم آليات تشكل معناها.
ومن الأدب واللسانيات والسيميائيات إلى الترجمة والدراسات الثقافية والفنون والسينما، يطرح المؤتمر سؤالا مركزيا: كيف يمكن للغة أن تقول تجربة تقوم، في جانب منها، على تجاوز حدود القول؟ وكيف تتحول التجربة الروحية إلى نص ورمز وصورة وذاكرة وتراث قابل للتأويل وإعادة التأويل؟
ويبدو هذا السؤال حاضرا بقوة في البرنامج، سواء من خلال مناقشة المجاز والمصطلح وتعدد الدلالة في الخطاب الصوفي، أو من خلال دراسة العلاقة بين الظاهر والباطن، والنص والتأويل، والمرئي واللامرئي، والجسد والروح، والأدب والتجربة العرفانية.
ومن المرتقب أن يختتم المؤتمر مساء الخميس26 نونبر 2026 بجلسة تخصص لقراءة التوصيات العامة للمؤتمر.
بهذا البرنامج المكثف والمتعدد التخصصات، وبتنوع الانتماءات الأكاديمية والجغرافية للمشاركين، تستعد مدينة بني ملال لاحتضان فضاء دولي للحوار حول التصوف والتقاليد العرفانية، لا باعتبارهما تراثا مرتبطا بالماضي فحسب، وإنما بوصفهما مجالا متجددا للبحث وإنتاج المعنى، تتقاطع داخله اللغة والأدب والفن والذاكرة والتأويل، وتلتقي فيه تعددية المسالك حول أسئلة الإنسان وتجربته في البحث عن المعنى..
