الضوء الأزرق.. ما تأثيره على صحة العين وجودة النوم؟
أصبح الضوء الأزرق جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية لملايين الأشخاص، إذ ترافق الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب والأجهزة اللوحية وشاشات التلفزيون والإضاءة بتقنية LED مختلف أنشطة العمل والدراسة والترفيه. ورغم أن هذا النوع من الضوء لا يُعد ضارًا في حد ذاته، فإن المختصين يؤكدون أن التعرض المطول له، خاصة خلال ساعات المساء، قد يؤدي إلى إجهاد العين واضطراب النوم. لذلك، توصي الهيئات الصحية والمتخصصون في العناية بالبصر باعتماد عادات بسيطة تحد من هذه الآثار، دون الاستغناء عن التقنيات الرقمية التي أصبحت جزءًا من حياتنا اليومية.
ومع الانتشار الواسع للشاشات داخل المنازل وأماكن العمل والمؤسسات التعليمية، تحولت مسألة تأثير الضوء الأزرق إلى قضية تهم الصحة العامة. فقد أدى العمل عن بُعد والتعليم الرقمي والاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي إلى ارتفاع عدد الساعات التي يقضيها الأفراد أمام الشاشات، وهو ما يشمل مختلف الفئات العمرية، من الأطفال إلى كبار السن.
وفي المغرب، تحظى هذه الإشكالية باهتمام متزايد من قبل المتخصصين في صحة البصر. وفي هذا السياق، تحرص حسناء الطرنباطي، أخصائية البصريات وقياس البصر، المتخرجة من بروكسيل ومؤسسة مركز Mod’Opticبمدينة فاس، على توعية المواطنين بمخاطر الاستعمال المفرط للشاشات، مع تقديم نصائح عملية للحفاظ على صحة العين. ويعتمد نهجها أساسًا على الوقاية وتبني سلوكيات يومية بسيطة.
بين المعتقدات الشائعة والحقائق العلمية
تدعو الدراسات العلمية اليوم إلى التمييز بين المعتقدات المنتشرة والحقائق المثبتة علميًا. وتوضح حسناء الطرنباطي:
“خلافًا لما هو شائع، لا توجد أدلة علمية قوية تثبت أن الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات يُلحق ضررًا بشبكية العين عند مستويات التعرض المعتادة. لكن الاستخدام المطول للشاشات قد يسبب إجهادًا بصريًا. كما أن التعرض للشاشات، خاصة في المساء، قد يؤثر في جودة النوم من خلال تأخير إفراز هرمون الميلاتونين، المسؤول عن تنظيم الساعة البيولوجية للجسم.”
وتؤكد الأبحاث العلمية أن التعرض للضوء الأزرق خلال ساعات المساء قد يؤخر إفراز هرمون الميلاتونين، مما يؤثر في توقيت النوم وجودته.
كيف يمكن التعرف على إجهاد العين الرقمي؟
تتمثل أبرز الآثار المرتبطة بالاستخدام المطول للشاشات في إجهاد العين. فمع التركيز المستمر أمام الشاشة، ينخفض معدل الرمش الطبيعي، مما يؤدي إلى جفاف العين والشعور بعدم الارتياح.
وتوضح حسناء الطرنباطي:
“من أبرز الأعراض جفاف العين، والشعور بالوخز، وتشوش الرؤية، والصداع، والإحساس بإجهاد العين. وإذا أصبحت هذه الأعراض متكررة أو استمرت رغم الراحة أو صاحبتها ملاحظة تراجع في الرؤية، فمن الضروري استشارة مختص في صحة البصر.”
الأطفال… الخطر الأكبر هو قصر النظر
يُعد الأطفال والمراهقون من أكثر الفئات تأثرًا بالإفراط في استخدام الشاشات، غير أن المختصين يؤكدون أن المشكلة الأساسية لا تكمن في الضوء الأزرق نفسه.
وتقول حسناء الطرنباطي:
“بالنسبة للأطفال، لا يتمثل التحدي الرئيسي في الضوء الأزرق، بل في الإفراط في قضاء الوقت أمام الشاشات. فالتركيز الطويل على الرؤية القريبة يرتبط بزيادة تطور قصر النظر. لذلك، من المهم الحد من مدة استخدام الشاشات، وتشجيع الأنشطة الخارجية، والحرص على متابعة دورية لصحة البصر، مرة واحدة سنويًا للأطفال الذين لا يرتدون نظارات، وكل ستة أشهر للأطفال الذين يعانون من عيوب انكسارية.”
هل النظارات المزودة بمرشح للضوء الأزرق فعالة؟
لا تزال النظارات المزودة بمرشح للضوء الأزرق تثير العديد من التساؤلات لدى المستهلكين. وفي هذا الصدد، توضح حسناء الطرنباطي:
“قد توفر العدسات المزودة بمرشح للضوء الأزرق راحة بصرية لبعض الأشخاص الذين يقضون أكثر من ثلاث ساعات يوميًا أمام الشاشات، خاصة من خلال التقليل من الانبهار الناتج عن الضوء. لكنها ليست ضرورية للجميع، كما أنها لا تحمي من خطر مؤكد على شبكية العين ناتج عن استخدام الشاشات.”
وبالتالي، فإن هذه العدسات تُعد وسيلة لتحسين الراحة البصرية لدى المستخدمين المكثفين، لكنها لا تغني عن الالتزام بالعادات الصحية السليمة.
عادات بسيطة لحماية العين
لحماية البصر، ينصح الخبراء بالاعتماد على سلوكيات يومية بسيطة بدلًا من تجنب استخدام الوسائل الرقمية. وتؤكد حسناء الطرنباطي:
“من أهم الممارسات الفعالة أخذ فترات راحة منتظمة أثناء العمل أمام الشاشة، والإكثار من الرمش للحد من جفاف العين، والحفاظ على مسافة تتراوح بين 40 و50 سنتيمترًا عن الشاشة، والعمل في مكان جيد الإضاءة، وتشجيع الأنشطة الخارجية كلما أمكن.”
ومن بين أكثر التوصيات شيوعًا، قاعدة 20-20-20، التي تنصح بالنظر كل عشرين دقيقة لمدة عشرين ثانية إلى جسم يبعد نحو ستة أمتار، بهدف إراحة العضلات المسؤولة عن تركيز النظر.
وفي ظل الحضور المتزايد للتقنيات الرقمية في حياتنا اليومية، لا ينبغي التعامل مع الضوء الأزرق باعتباره خطرًا يستدعي القلق المفرط، ولا التقليل من تأثيراته المحتملة. فالمعطيات العلمية وتجربة المختصين، ومن بينهم حسناء الطرنباطي، تؤكد أن الاستخدام المتوازن للشاشات، إلى جانب تبني عادات صحية للعناية بالعين، يظل أفضل وسيلة للحفاظ على صحة البصر، وتحسين الراحة أثناء العمل، والمساهمة في نوم أكثر جودة لجميع أفراد الأسرة.
