25 أبريل 2026

الجراحة الروبوتية في خدمة زراعة الكلى: إنجاز نوعي في المغرب

الجراحة الروبوتية في خدمة زراعة الكلى: إنجاز نوعي في المغرب

 

في ظل التحولات العميقة التي يشهدها الطب المعاصر، والمتمثلة في الإدماج المتزايد للتقنيات عالية الدقة، أصبحت زراعة الكلى اليوم في قلب دينامية متواصلة من الابتكار. وفي هذا السياق، تمكن البروفيسور عبد الجليل حداث، و فريقه الطبي من إجراء ثلاث عمليات استئصال كلى من متبرعين أحياء بمساعدة الروبوت، وهو إنجاز يُعد سابقة على المستوى الوطني ومن بين التجارب الرائدة على صعيد القارة الإفريقية.

وقد تحقق هذا التقدم بفضل الالتزام المؤسساتي لمؤسسة محمد السادس لعلوم الصحة، وفي إطار المنظومة الأكاديمية لجامعة محمد السادس لعلوم الصحة، ومن خلال تعبئة فرق المستشفى الجامعي الشيخ خليفة الدارالبيضاء، التي أبانت عن مستوى عالٍ من الخبرة والتحكم في التقنيات الروبوتية، بما يواكب أرقى المعايير الدولية.

تحتل عملية استئصال الكلية من متبرع حي مكانة خاصة في الممارسة الجراحية، نظراً لكونها تُجرى على شخص سليم يقدم على عمل إنساني نبيل لفائدة مريض محتاج. وهو ما يفرض التزاماً أخلاقياً صارماً يهدف إلى تقليص المخاطر إلى أدنى حد، مع ضمان جودة مثلى للعضو المزروع. وفي هذا الإطار، تبرز الجراحة بمساعدة الروبوت كخيار متقدم يتيح رؤية ثلاثية الأبعاد عالية الدقة، وتحكماً مثالياً في الحركات الجراحية، مع تقليص الاهتزازات، مما يسمح بإجراء تشريح دقيق للغاية خاصة على مستوى الأوعية الدموية الكلوية.

وتنعكس هذه الدقة التقنية بشكل مباشر على النتائج السريرية، حيث يستفيد المتبرع من تقليل الألم بعد الجراحة، وتسريع التعافي، وتقليص مدة الاستشفاء، والعودة السريعة إلى حياته الطبيعية. كما تساهم هذه المقاربة في تعزيز الثقة في التبرع بالأعضاء من الأحياء، وهو ما يمثل رافعة أساسية لمواجهة الخصاص في الأعضاء المزروعة.

ولا يقتصر هذا الإنجاز على الجانب العلاجي فقط، بل يندرج ضمن رؤية أكاديمية شاملة تروم تطوير الخبرات الوطنية في مجال الجراحة الروبوتية، وفتح آفاق البحث العلمي لتقييم نتائج هذه التقنيات مقارنة بالطرق التقليدية، فضلاً عن تكوين جيل جديد من الجراحين القادرين على مواكبة تطورات الطب الحديث.

وتلعب مؤسسة محمد السادس لعلوم الصحة دوراً محورياً في هذه الدينامية، من خلال الاستثمار في البنيات التحتية المتطورة، وتثمين الكفاءات الطبية، وترسيخ ثقافة التميز. كما يشكل المستشفى الجامعي الشيخ خليفة، إلى جانب جامعة محمد السادس لعلوم الصحة، نموذجاً متكاملاً يجمع بين العلاج والتكوين والبحث العلمي.

وعلى مستوى أوسع، يندرج تطوير الجراحة الروبوتية في المغرب ضمن استراتيجية لتعزيز موقع المملكة كوجهة متميزة للسياحة العلاجية، بفضل جودة الخدمات الصحية، وكفاءة الموارد البشرية، وتنافسية التكاليف، إضافة إلى الاستقرار الذي ينعم به البلد.

وفي الختام، فإن الجراحة الروبوتية ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لتطوير طب أكثر دقة وأماناً وإنسانية، تتطلب مواكبة مستمرة من حيث التكوين والتقييم العلمي والأخلاقي.

إن هذه العمليات الثلاث تشكل خطوة تأسيسية تعكس طموح المغرب في التموقع ضمن الدول الرائدة في مجال الطب المتقدم.

 

الأستاذ حداث عبد الجليل

مدير تخصص جراحة المسالك البولية الدارالبيضاء

مؤسسة محمد السادس لعلوم و الصحة