حين تفقد الأحياء السكنية هويتها… زحف المقاهي يغير ملامح حي الضحى أبواب مراكش
لم يعد انتشار المقاهي داخل الأحياء السكنية مجرد نشاط تجاري يواكب التوسع العمراني، بل تحول في بعض المناطق إلى ظاهرة تثير نقاشا واسعا حول حدود التوازن بين الاستثمار وخصوصية الفضاءات المخصصة للسكن. ويزداد هذا النقاش حدة عندما يتعلق الأمر ببعض مقاهي الشيشة، التي تختلف طبيعة نشاطها عن المقاهي التقليدية بسبب امتداد ساعات اشتغالها، وكثافة الإقبال عليها، وما قد يرافقها من ضجيج وحركة مستمرة.
وفي حي الضحى أبواب مراكش، برز هذا التحول بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة، بعدما ارتفع عدد المقاهي، بما في ذلك بعض مقاهي الشيشة، داخل الإقامات السكنية وعلى امتداد الشوارع الرئيسية والفرعية، لتتغير تدريجيا ملامح حي أنشئ أساسا لاستقبال الأسر وتوفير بيئة يغلب عليها الهدوء والاستقرار.
وبين النشاط الاقتصادي الذي يوفر فرصا للاستثمار، والتوسع الذي يرى عدد من السكان أنه تجاوز خصوصية المجال السكني، يفرض الواقع أسئلة تتعلق بكيفية منح التراخيص، ومدى احترام شروط الاستغلال، وتأثير انتشار المقاهي، وخاصة تلك التي تقدم الشيشة إن كانت مرخصة بذلك، على جودة العيش وهوية الحي التي تبدو اليوم أمام اختبار حقيقي.
من ظاهرة تجارية إلى واقع يغير ملامح الحي
تعرف المقاهي بمختلف أنواعها انتشارا متزايدا في المدن المغربية باعتبارها مشاريع استثمارية توفر خدمات للمواطنين وتخلق فرصا للشغل. غير أن اتساع هذا النشاط داخل الأحياء السكنية، وخاصة مع ظهور عدد من مقاهي الشيشة، يثير تساؤلات حول مدى انسجام هذه الأنشطة مع طبيعة الفضاءات السكنية.
وفي حي الضحى أبواب مراكش، لم يعد الأمر يقتصر على افتتاح مقهى بين الحين والآخر، بل أصبح المشهد العمراني يعرف توسعا متواصلا للمقاهي، بعضها يقدم خدمات الشيشة، داخل نطاق جغرافي محدود. ففي عدد من الشوارع والأزقة تتجاور هذه المحلات بشكل لافت، فيما يوجد بعضها داخل إقامات سكنية، الأمر الذي جعل النشاط التجاري يمتد إلى فضاءات يفترض أن تكون مخصصة لحياة أسرية هادئة.
هذا التحول لم يعد يقتصر على تغيير المشهد البصري للحي، بل انعكس أيضا على تفاصيل الحياة اليومية، بعدما أصبحت الحركة أكثر كثافة، وتحولت بعض الأزقة إلى نقاط استقطاب تعرف توافدا مستمرا للزبائن والسيارات والدراجات النارية إلى ساعات متأخرة من الليل.
حين تدخل المقاهي ومقاهي الشيشة إلى قلب الإقامات السكنية
من بين أبرز مظاهر هذه الظاهرة وجود مقاه داخل بعض الإقامات السكنية، من بينها مقاه تقدم الشيشة، وهو وضع يثير تساؤلات حول مدى انسجام هذه الأنشطة مع الوظيفة الأصلية لهذه المجمعات السكنية.
وتبرز إحدى الحالات داخل الحي من خلال وجود مقهى داخل إقامة سكنية، تعلوه مدرسة للدعم والتقوية ويجاوره حمام، وهو ما يخلق حركة متواصلة للوافدين والسيارات والدراجات، ويرفع مستوى الضجيج داخل فضاء يفترض أن يتسم بالهدوء.
ويرى عدد من السكان أن وجود مقاه تقدم الشيشة داخل أو بمحاذاة الإقامات السكنية يزيد من كثافة الإقبال خلال الفترات المسائية، وما يصاحب ذلك من تجمعات تمتد لساعات، وهو ما يؤثر، بحسب تعبيرهم، على راحة الأطفال وكبار السن والمرضى.
المؤسسات التعليمية… عندما يقترب النشاط التجاري من الفضاء التربوي
لم يتوقف انتشار المقاهي عند حدود الإقامات السكنية، بل امتد كذلك إلى محيط بعض المؤسسات التعليمية الخاصة، حيث توجد مؤسستان تعليميتان خاصتان تقع بجوار كل واحدة منهما مقهى، ويقول سكان إن بعض هذه المقاهي تعرف أيضا الإقبال على الشيشة.
ويطرح هذا الواقع تساؤلات حول مدى ملاءمة وجود فضاءات تعرف حركة مستمرة بمحاذاة مؤسسات يفترض أن توفر للتلاميذ بيئة تساعد على التركيز والتحصيل الدراسي، خاصة في ظل التجمعات والضجيج الذي تشهده بعض المقاهي خلال مختلف فترات اليوم.
ورغم أن القانون لا يمنع في حد ذاته إقامة نشاط تجاري بالقرب من مؤسسة تعليمية متى استوفى الشروط القانونية، فإن النقاش يظل قائما حول مدى مراعاة خصوصية المحيط المدرسي عند منح التراخيص، بما يحقق التوازن بين التنمية الاقتصادية ومتطلبات البيئة التعليمية.
حين تمتد الطاولات إلى الأرصفة… فضاءات المشاة تضيق وحركة السير تختنق
لم تعد آثار انتشار المقاهي، وخاصة بعض مقاهي الشيشة، تقتصر على تغيير المشهد العمراني، بل امتدت إلى الفضاءات العمومية التي أصبحت في عدد من المواقع امتدادا للنشاط التجاري.
فقد اتجهت بعض المحلات إلى استغلال الأرصفة والمساحات المجاورة لوضع الطاولات والكراسي، ما قلص المساحات المخصصة للمشاة، وأجبرهم في أحيان كثيرة على استعمال الطريق المخصص للمركبات.
كما يزداد الازدحام مع توافد الزبائن وتوقف السيارات والدراجات النارية أمام هذه المحلات، وهو ما يؤدي إلى اختناق حركة السير داخل بعض الأزقة، خاصة خلال الفترات المسائية والعطل الأسبوعية.
هدوء الحي على المحك… عندما يتحول الليل إلى امتداد لنهار صاخب
من أبرز الانعكاسات التي رافقت هذا التوسع تراجع مستوى الهدوء الذي كان يميز الحي، بعدما أصبحت المقاهي، وخاصة بعض مقاهي الشيشة، تستقطب أعدادا كبيرة من الزبائن منذ الصباح وحتى ساعات متأخرة من الليل.
ولا يرتبط مصدر الإزعاج بحركة الزبائن فقط، بل يمتد إلى الأصوات المرتفعة، وضجيج السيارات والدراجات، وتحريك الطاولات والكراسي، إضافة إلى التجمعات التي تستمر خارج المقاهي بعد مغادرة بعض المرتادين.
وتزداد حدة هذه الأجواء خلال المباريات الكروية الكبرى، حيث تتحول بعض المقاهي إلى فضاءات لمتابعة المنافسات الرياضية وسط هتافات وتشجيعات جماعية، وهو ما يضاعف، بحسب عدد من السكان، معاناة الأسر التي تبحث عن الهدوء داخل منازلها.
ما وراء الضجيج… مخاوف من سلوكيات مقلقة
لا تقتصر مخاوف عدد من سكان حي الضحى أبواب مراكش على الضوضاء أو احتلال الأرصفة، بل تمتد إلى سلوكيات يقولون إنها بدأت تظهر داخل محيط بعض المقاهي، وخاصة تلك التي تعرف إقبالا كبيرا خلال الفترات الليلية.
ومن بين أكثر ما يثير القلق، حسب شكاوى عدد من السكان، الحديث عن احتمال تعاطي بعض الأشخاص للمواد المخدرة أو وقوع مظاهر فوضى في محيط بعض المحلات، وهي معطيات تبقى في حاجة إلى التحقق من قبل الجهات المختصة، لكنها تعكس حجم الانشغال الذي بات يرافق هذه الظاهرة.
كما يعبر عدد من القاطنين عن تخوفهم من أن تتحول بعض المقاهي، خاصة تلك التي تقدم الشيشة، إلى نقاط تجمع تستقطب سلوكيات يرون أنها لا تنسجم مع طبيعة حي سكني، وهو ما يدفعهم إلى المطالبة بتكثيف المراقبة الأمنية وتعزيز حضور السلطات المختصة كلما اقتضى الأمر.
بين الاستثمار وخصوصية المجال السكني… أين يرسم التوازن؟
لا يختلف اثنان على أهمية الاستثمار في تنشيط الاقتصاد المحلي وخلق فرص الشغل، كما لا يختلف أحد حول الدور الذي تؤديه المقاهي باعتبارها فضاءات اجتماعية وخدماتية. غير أن توسع هذا النشاط، وخاصة مع انتشار بعض مقاهي الشيشة داخل الأحياء السكنية، يطرح سؤالا حول حدود التوازن بين تشجيع الاستثمار والحفاظ على خصوصية المجال السكني.
فالمسألة، في نظر متابعين للشأن المحلي، لا ترتبط بوجود المقاهي في حد ذاته، وإنما بطريقة توزيعها داخل المجال العمراني، ومدى مراعاة خصوصية الأحياء السكنية عند منح التراخيص، حتى لا يتحول التوسع التجاري إلى عامل يؤثر في جودة العيش ويغير الوظيفة الأصلية للمكان.
ماذا يقول القانون؟
تنظم القوانين المؤطرة لاستغلال المحلات التجارية بالمغرب ممارسة الأنشطة الاقتصادية وفق مجموعة من الضوابط، من بينها احترام وثائق التعمير، والتقيد بشروط السلامة والبيئة، والالتزام بمضامين الرخص المسلمة من طرف السلطات المختصة.
كما أن ممارسة أي نشاط تجاري، بما في ذلك المقاهي، تظل مرتبطة بعدم الإضرار بحقوق الجوار، وعدم الإخلال بالنظام العام، وعدم احتلال الملك العمومي خارج الإطار القانوني، وهو ما يجعل المراقبة المستمرة عنصرا أساسيا لضمان احترام القانون وتحقيق التوازن بين حقوق المستثمرين وحقوق السكان.
أسئلة يفرضها الواقع… وانتظار لتدخل يعيد التوازن
في ظل هذا الواقع، تتجه الأنظار إلى دور السلطات المحلية والجماعة الترابية والجهات المختصة في تقييم مدى انسجام التوسع الذي تعرفه المقاهي، وخاصة مقاهي الشيشة، مع الطابع السكني لحي الضحى أبواب مراكش، والوقوف على مدى احترام شروط الترخيص والاستغلال، ومعالجة الإشكالات المرتبطة باحتلال الأرصفة والضوضاء وكل السلوكيات التي قد تؤثر في أمن وراحة السكان.
ويبقى التحدي المطروح اليوم هو إيجاد معادلة تحقق التوازن بين تشجيع الاستثمار باعتباره رافعة للتنمية الاقتصادية، والحفاظ في الوقت نفسه على هوية الأحياء السكنية وجودة الحياة داخلها. فحي الضحى أبواب مراكش، كما هو شأن العديد من الأحياء السكنية، يحتاج إلى تنمية تحترم خصوصية المكان، وتضمن أن يبقى الاستثمار عاملا لتحسين المجال الحضري، لا سببا في تغيير وظيفته أو التأثير على استقراره.
قد يكون افتتاح مقهى جديد خبرا عاديا، لكن عندما يتحول انتشار مقاهي الشيشة، إلى ظاهرة تعيد رسم ملامح المجال السكني، يصبح الأمر قضية تستحق التوقف عندها. وما يعيشه حي الضحى أبواب مراكش اليوم لا يتعلق بمقهى هنا أو آخر هناك، بل بسؤال أكبر يهم مستقبل الأحياء السكنية في المدن المغربية: كيف يمكن تشجيع الاستثمار مع الحفاظ على حق السكان في الهدوء وجودة العيش واحترام خصوصية المجال السكني؟ إنه سؤال يظل مفتوحا، وإجابته لن تحدد فقط شكل هذا الحي، بل قد ترسم أيضا ملامح أحياء أخرى تواجه التحدي نفسه.

