قبل المقال

وَأْدُ الْبَنَاتِ

وَأْدُ الْبَنَاتِ

 عبد الجليل الشافعي كاتب مغربي

بعد المقال

مما لم أكن أستسغه منذ طفولتي، هو تذمر أقراني وأترابي، وحزنهم وخوفهم، لا لشيء عدا أن لهم أخوات، كنت ترى الطفل، يكره أن يذكر إسم أخته، ولو في قسم مدرسته،كرهه لدم أسنانه. الأخوات كن يشكلن نقطة ضعف بالنسبة لكثير من هؤلاء، وكأن لعنةإلهية أصابتهم. وأذكر أن الكثير منهم كانوا يقولون لي،إنك محظوظ لأن لك أختا واحدة وسط عدد من الذكور يقارب عددهم عدد تلاميذ قسم كامل في مدرسة دانماركية، لم أكن أجيبهم حينها، وأقول في نفسي، إن هذا الأمر موجود فقط في هذه القرية البعيدة التي تتوسد وادي سبو ويطوِّق خصرها في رقصة “فلامينجو” دائمة.

لكنني وأنا في طريقي إلى سن الرجولة، مررت بمرحلة الإعدادي، والثانوي، فالجامعي أيضا، وأنا أقطع هذه السنوات المُتعبة في وطن يجيد التهميش ويحترف الإقصاء، وقفت على حقيقة مرة، حقيقة أكبر من “صبيانية” تفكير أطفال القرية، اكتشفت، وللأسف، أن المسألة ليست رهينة بإنسان البادية، وهذه من النقاط القليلة التي يشترك فيها مع إنسان المدينة، اكتشفت أن هذا التفكير موجود عند أغلب رجال بلادي، بل عند جل رجال الوطن العربي الذي لم يستطع حتى الآن  التخلص من عقدته الذكورية الأبيسية، تلك النظرة التي لم تتغير منذ عصر” الجاهلية” رغم تغير الزمن، رغم بناء أوطان من إسمنت وحديد، رغم  الثروات المغتصبة، والثورات المسروقة، رغم كل هذا لم يستطع الفكر الذكوري أن يتوب عن وأد البنات، أجل، من قال إن وأد البنات راح، فليتدبر في مجتمعه، عائلته، بل وفي نفسه ولو قليلا، سيكتشف أن وأد البناتلا يزال قائما، وكل ما حصل هو أن طريقة تنفيذه تغيرت، لم نعد ندفن بناتنا وهن حيات في صحراء مجنونة، ولكننا ندفنهم حين تكون المرأة منذ ولادتها متهمة، بل مذنبة، وتعيش كل عمرها كي تثبت للرجل، والمجتمع أنها بريئة، وأن نظرتها لا تساوي موعدا غراميا، وأنها لم تختر ابتسامتها الجميلة و لم تتعمد أن تكون مشيتها مثيرة، لم تختر حجم صدرها، ولا أردافها، ولا عذوبة صوتها..

وأد البنات، هو أن تتهم المرأة بأنها ناقصة عقل ودين، وتجد “الفقيه، الشيخ” يجتهد في البحث عن سند صحيح لحديث يؤكد طرحه، لأنه يريد ذلك، ويشتهي أن تكون له زوجات بعدد سياراته، وخيوله، وخدمه، وأد البنات، أن يأتي رجل إلى مدير مؤسسة ويطلب منه أن يغير قسم ابنته، لأنه يخشى عليها من الأستاذ، وأد البنات، هو أن تُستغل المرأة من طرف رئيس الشركة ومدير الشركة وزميل العمل في الشركة، ويشتهيها حتى  البواب في نفسه..

وأد البنات، وأد أرواحهن وأحاسيسهن وتجريدهن من كل شيء غير الجسد، أو ليس استغلال المرأة في الاشهار والدعاية وأد لهن؟ استغلال المرأة انطلاقا من أصغر مؤسسة كالمقهى مثلا، إلى المؤسسات كبرى، كالفنادق والمطارات ..

وأد البنات هو استغلال المرأة بإيعاز من الدين يفهمونه كما يريدون، استغلال المرأة من طرف البورجوازية التي لا يهمها إلا انتفاخ أرصدة بنوكها، استغلال المرأة من طرف الجميع، أليس وأدا لها؟

سبب كتابتي لهذا المقال- بالإضافة إلى أسباب أخرى-  هو استغرابي الكبير وأنا أشاهد الفنان الكوميدي المعروف “ناصر القصبي” صاحب “طاش ماطاش” و”سيلفي” والذي كان يلعب دور الحكم في برنامج “عرب أي دول” الشهير، استغربت حين رأيت فنانا كهذا، يرفض أن يَذكر اسم أمه، بل ويقسم على ذلك في برنامج “الشريان” الذي يعرض على قناة   “mbc”  إن هذا الموقف الصادر من رجل فنان، يجعلك تتخيل طريقة تفكير غيره، الأقل تعليما والذين يشتغلون في مجالات أخرى، كيف يعقل أن يفكر رجل من أهل الفن ونحن في الألفية الثالثة بهذه الطريقة؟ أن يخجل من ذكر اسم أمه، أو أخته..؟

استطاع مقدم برنامج” الشريان” أن يسرق منه هذا الاعتراف، حيث ألح كثيرا، لكن الموقف عَكَسَ طريقة تفكير فيها الكثير من الغرابة، ليطرح السؤال، متى ينتهي عصر وأد البنات؟؟

 

 

مقالات ذات صله

1 تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *