وجوه خائلية

وجوه خائلية
قبل المقال

  إن المتأمل النّاظر إلى لوحات الفنان سعيد أوعطار تطل عليه دفعة واحدة وجوه عديدة و ألوان متدفقة ناصعة توحي بقوة الألوان المميزة لمحبة الطبيعة الإيكولوجية . هي وجوه لا واقعية و لا خيالية تحيل على بينونتهما ( أستعير عبارة أبي حيان التوحيدي) أو ما يمكن نعته بالبرزخ الخائلي . تحمل في طيّات تقاسيمها و ملامحها أسرارا و مكنونات ، من نوستالجيا و بقايا حلم ، وتومئ و تلمع بما مكث فيها أو ظل جاثما أمامها من أزمنة السديم الغابرة .

وجوه
الوجه ليس هو القفا.الفرق بينهما كالفرق بين الإقبال و الإدبار. الوجه هو “الآخر” الذي “يسكننا بشكل غريب” و يقف منتصبا قبالة آخره و مختلفه وجها لوجه في نفس الآن . ينظر إليه “وجوه يومئد ناظرة إلى ربها ناضرة” و يتكلم معه “و كلّم موسى تكليما” و يسمعه “إنه سميع عليم”و يشمّ رائحته “…قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن يفنّدون”…
هكذا يكثّف الوجه حالات الإنسان في كليتها فيرمز للاحترام و للصراحة و للإيثار و للصداقة..إنه علامة وأيقونية. الوجه من وجهة أخرى مرآة ، مقعّرة أو محدودبة ، مكسّرة أو سليمة ، صافية أو ضبابية .. تعكس ما في ماهيتها و ما يحيط بها … تعكس الخجل و الألم ، الذهول و الدهشة ، الوجل والأجل … باطنها هو برّانيتها .
الوجه لدى مالارمي نفس وميلوديا ، إنه الأثر القصي للفردانية . القصيدة (هنا اللوحة) ما هي سوى بركة أحلام ، فيها يرى المرء وجهه مثل نرجس ، فيها يتملّى وجهه ، و في لوحة الأحلام نتأمل الوجوه الخائلية …
لهذا الغنى في الاندلال اختار الفنان سعيد أوعطار الوجه كأيقونة لنقل أحاسيسه و مشاعره و اقتسام تأملاته و انطباعاته ، فيها سكب بالفرشاة ألوانه البيئية وضمّنها أسراره و خباياه.

ألوان إيكولوجية
ينبني السلّم الكروماتي على أمشاج الألوان الأساسية الستة . و هي ذاتها الألوان التي اعتمدها الفنان سعيد أعطّار في تلوين الوجوه وموتيفاتها . يطغى على هذه الوجوه اللون الأخضر و الأصفر لذا يمكن وصفها بالوجوه الإيكولوجية. فهي تسكن بيئة و طبيعة . تقطن سكنا (منه اللوحة) و خطابا ينتج حول اللوحة كتأويل . الإيكولوجيا هي بيو سكن من السكن البيئي الجميل ، حيث تنبع الوجوه و تزدهر بالمعاني أو الأصح بما ترمز إليه ، لأنها ليست بورتريهات و لا وجوها تشخيصية تتغيا جمال الوجه و نضارته ، بقدر ما هي أيقونات وجوه أو استعارة وجوه ( كما وصفها الناقد الفني عبد الله الشيخ).استعارها الفنان ليخبرنا باللون و ما إليه من ألوان مجاورة عن صفائها و صدقها و صمتها و صبابتها و صلابتها …هذه الصادات من صدى تكامل الألوان الساخنة (الأصفر و الأحمر) والباردة (الأزرق و اللازوردي) ليتحقق الانسجام و العمق . أقصد العمق الإنساني.
هناك إيكولوجيا إنسانية تهتم بالعلاقات البشرية و أنشطتها المختلفة المرتبطة بالبيئة و الطبيعة ، بالأسطقسات الأربعة : الماء و الهواء و النار و التراب. من هذه العناصر تنطلق كل أنطولوجيا تتأمل المحيط و البيئة لكن بالفرشاة و اللون.
هكذا تتتابع الفروقات اللونية و تتناوب الإيقاعات لتقدم لنا فضاء إيكولوجيا بنزعة إنسانية تتراوح بين التشخيص الواقعي و بين التجريد الرمزي .و بينهما بون عميق لا يمكن سبر أغواره إلا بالصبر و التحمل.
البرزخ الخائلي
أقصد بالخائلي ما ليس خيالا محضا و لا افتراضا خالصا .الخيال تصور واقع لا وجود له و الافتراض احتمال ما قد يقع . لا الخيال و لا الافتراض هو منبع هذه الوجوه.إنها وجوه بين الخيال و الافتراض .” الخائلي ليس وهما و لا استيهاما و لا مجرد احتمال و افتراض مرميا في جوف الممكن .إنه واقعي أو الأصح هو من نظام الواقع” منه الواقع البلاستيكي أساسا .في هذه التخوم البينية تتلون و تتناسخ و تأخذ كل أبعادها التي أرادها لها الفنان سعيد أوعطار. إنها في برزخ خائلي و في بينونة انطباعية تفرض علينا التساؤل : ما سر هذه الوجوه ؟
يبدو أنها لا تحمل سراّ ما في ذاتها .لكنها تحمله كمرآة عاكسة لسرّ أمامها . إنها وجوه تنظر إلى شيء ما مفزع لأنها مفزوعة منه ، مذهولة منه ،مندهشة. حجم الذهول و الخوف و الخشية يدرك في جحوظ الأعين و في فراغ الأفواه و في امتقاع الألوان وفي سهود الأجفان . السرّ ينعكس على صفحة الوجوه.
من بداية الكون المهيب السديم إلى الآخر الجحيم ، تتناسخ الأوجه : ثلاثية في واحد ثنائية في آخر و ثالث بأعين ثلاثة …من خلال هذه الوضعيات الامتساخية و هذا التمازج و التداخل للعيون وعبر بياضها إلى بؤبئها تتراءى لنا أمشاج أشياء: منها البدء السرمدي ، هول الفراغ ، الصمت الرهيب …سدوم الزمن الأزلي، سر البداية …ما يزكّي مشروعية الحديث عن السر ليس فقط انفعالات الوجوه وتقلص أو انفراج ملامحها و ردودها الانعكاسية إنما أيضا وأساسا الموتيفات الدقيقة الموجودة في مقل العيون أو تلك المتوارية قليلا على صفحة الوجه و تقاسيمه بله تجاعيده .
أونطولوجيا كاملة تسرد في هذه الصباغة ومن خلال هذه الألوان بلاستيكيا، لا تقال في صياغة مفاهيم وإنما ترسم وتحكى من خلال البصريات والانفعالات و الألوان طبعا هناك لوحات لا تجسيد فيها و لا وجه و لا عين. إنها لوحات تجريدية لكنها لا تخلو من رمزية ألوانها و موتيفاتها لا تشذ عن القاعدة ، فهي الأخرى مسكونة بسؤال الأبدية .
أخيرا إن تضعيف الوجه وجوديا و أونطولوجيا من خلال “الكروما إيكولوجيا ” منح للفنان سعيد أوعطار سبقا تجريبيا فنيا فريدا من نوعه .
إدريس كثير
باحث جمالي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *