وتساقطت الأقنعة!

وتساقطت الأقنعة!

محمد الحبيب طالب

عندما نتحدث عن الوطن العربي، فإننا نتجه صوب مواطن الأزمات الدامية الكبرى فيه. وهي أزمات تحولت باكرا إلى مواطن لصراعات دولية إقليمية صارت حاكمة على الدوافع الداخلية الأولى. ولعل أهم ميزة للوضع الجديد، أن العديد من الأقنعة التي حجبت الرؤية الصحيحة لما جرى، تتساقط الواحدة تلو الأخرى.

ولنبدأ بالولايات المتحدة، والتي لم تكن يوما بجانب قضايانا العربية.إن تنصل الولايات المتحدة من اتفاقها الأخير مع روسيا في شأن الهدنة “بحلب” ومقتضياتها، قد أماط القناع عن حقيقة الموقف الأمريكي من الإرهاب، وخاصة لمن يحتاج إلى برهان أو تأكيد. فمنذ البدء، لم تكن أمريكا جادة في محاربة الإرهاب لا في العراق ولا بالأحرى في سوريا. ولكنها اضطرت إلى أن تكون حاضرة في معركة تحرير “الموصل”، بعد أن استطاع الشعب العراقي أن يحزم أمره وينجز إجماع قواه على خوض هذه المعركة، وبعد أن خبت كل المحاولات الخارجية لإلهائه وإثارة الفتنة الطائفية والمذهبية والقومية بين مكوناته… ومازالت الولايات المتحدة وحلفاؤها يراهنون على ما بعد تحرير الموصل لعل وعسى يتجدد ما خبا من فتن سابقة.. إلا أن وحدة الدم في معارك التحرير القائمة والجارية ستكون لا محالة هي الأقوى في المستقبل.

ويظهر التخبط الأمريكي فاضحا في الحرب على سوريا، وما التهويش بورقة حلب، والتباكي عليها، سوى الذريعة الأخيرة للتغطية على انقلاب موازين القوى على الأرض لغير صالحها وصالح حلفائها. وسيستمر التخبط الأمريكي، لا لضعف في شخصية أوباما، كما يقول الواهمون، بل لاستعصاءات موضوعية فاعلة في الاستراتيجية الأمريكية،بين تناقضات إدارتها الداخلية من جهة وعزوف الرأي العام الأمريكي من الحروب الخارجية، من جهة ثانية، وبين إرضاء حلفائها وتليين تناقضاتها الفرعية مع السعودية وتركيا، وبين توظيف كل ذلك في أولويات استراتيجيتها العامة للحفاظ ما أمكن على مركزها الدولي في منافسة اقتصادية مع الصين وعداوة عسكرية مع روسيا. إنها إمبراطورية تتراجع. ولقد كتبت سابقا، كم من الوقت ستحتاجه الولايات المتحدة لتستفيق على هذه الحقيقة المروعة لعناد صقورها؟!ومن الأقنعة التي سقطت في الفترة الأخيرة، قناع المطامع التركية في العراق وسوريا وفي الساحة العربية عامة. عندما كان مداحو النظام الأردغاني يمجدون الديمقراطية المنتصرة في تركيا، كتبت في غير ما مرة، أن الديمقراطية القائمة عرجاء ولها طعم قومي شوفيني نفعي وسوقي في الداخل والخارج. وهاهو النظام يتوغل في القمع الداخلي بلا حدود؛ وفي سابقة فريدة، تمتد يد الاعتقال والحرمان من العمل إلى عشرات الآلاف من جميع الفئات الاجتماعية، وتلصق بهم شبهة الانقلاب، مع أن الانقلابات في الدنيا هي تآمر لمجموعة تكون دائما محدودة العدد ومن القادة العسكريين بالدرجة الأولى. أما عن العاهة الدائمة في الديمقراطية التركية الخاصة بالمسألة الكردية “فحدث ولا حرج”. وها هو أردوغان يكشف علانية وعلى الملأ عن مطامعه في شمال سوريا إلى حلب وفي “موصل” العراق بذرائع تاريخية ومذهبية سوقية وقومية شوفينية من مخلفات الذهنية الإمبراطورية العثمانية. وليس أمام أردوغان لتحقيق تلك المطامع سوى بالدخول في حرب استنزاف طويلة مع الشعب العراقي أو في حرب إقليمية ودولية واسعة وهو لا يقدر عليهما إطلاقا!!

وبكلمات موجزة في الشأن الكردي: فمن الملاحظ أن بعض الأطراف الكردية مازالت تنهج سياسة قومية انتهازية، ودائما بالتحالف مع الولايات المتحدة، ضدا على الدولة الوطنية القائمة في العراق وسوريا. إن حل المسألة الكردية يمر حتما بالحفاظ على مركزية الدولة ووحدتها، ناهيك على أن لا الفيدرالية في الشمال السوري، ولا محاولة الانفصال في العراق، ممكنان في المعطيات الإقليمية والدولية الحالية.

أما عن المعارضة السورية المسلحة، وهي بمآت الفصائل، وعن الائتلاف المفاوض الذي يتبناها، فعدا ارتباطاتها بأجندات خارجية، ومنها إسرائيل على الشريط الحدودي المحتل، فهي لوحدها مثال فريد لا سابق لها من حيث إنها نهج قتالي وحسب، لا توازيه ممارسة سياسية تعبوية شعبية، كما في النماذج المعروفة، بل هي  لا تتورع في استخدام المواطنين مادة رئيسة للقتل والضغط السياسي وللدروع البشرية. والملفت هنا، تورط هيئة التنسيق، وهي معارضة وطنية أصيلة، في قبولها بدور هامشي في الهيئة العليا للمفاوضات المنبثقة من الرياض. وبحكم موقعها هذا، تجد هيئة التنسيق نفسها في النهاية تصب الزيت في طاحونة القوى الرجعية والمحافظة المضادة للدولة والديمقراطية في آن. إن مسألة أن استبداد النظام هو السبب الأصلي في كل ما يجري، وهي ذريعتها السياسية والأيديولوجية، حتى ولو سلمنا بها افتراضا، تنطوي على عقلية جامدة لا تتحرك مع تغير طبيعة الصراع الذي بات يهدد كيان الدولة والمجتمع!

وفي اليمن، ربما تردد بعضنا في الوقوف بجانب القوى التي تمردت على ما كان يحسب على “الشرعية”، والتي كانت متآكلة شعبيا وسياسيا ودستوريا، وكانت ماضية في الإقصاء والخروج على مفردات الحوار الوطني الجامع. ومع ذلك، أحدثت الحرب العدوانية والحصار الشامل تغيرا نوعيا في طبيعة الصراع وفي اصطفافات قواه وفي أولويات المشروع الوطني. وهنا أيضا سقط القناع وبات واضحا أن الحرب والحصار كانا عبثيين وتدميريين للشعب اليمني ليس إلا. وكما في سوريا، ضاعت أقلية من أطراف الحركة الوطنية وخاصة منها البعض من الحراك الجنوبي الذي وظف في المعركة، بينما صار الجنوب مرتعا لقوى الإرهاب وللتنافسات الإقليمية عليه، وصار مطلب الاستقلال والانفصال والذي لا نراه حلا من الأصل أبعد وأعقد مما كان عليه. وفي ليبيا، ولانهيار الدولة فيها، تشظى المنطق السياسي الذي يمكن الركون إليه والبناء عليه.

وفي الخلاصة، ما كان غرضي التوسع في تحليل الوضع بوقائعه المتزاحمة، ولكني ركزت ما في وسعي على المنطق السياسي الثاوي في تناقضاتها وتضارب المصالح فيها، والغاية التي أود الوصول إليها، أنه آن الأوان لأحزابنا وإعلامنا ونقاباتنا ومثقفينا وكافة قوى الشعب، أن يخرج الجميع من لامبالاته أو انجراره الأعمى مع الصناعة الإعلامية الدولية المغالطة. وإنه لعار علينا أن تتواصل انتفاضة الشعب الفلسطيني بتضحيات غالية وقاسية، ولا تجد خبرا أو اهتماما من قبلنا.

قد نتفهم بعض مواقف الدولة هنا أو هناك لمصالح وطنية ظرفية، مع أن روحيتها السياسية العامة تظل هي النأي بالنفس من تطاحنات النظام العربي غير المجدية. لكن ليس مقبولا من قوى المجتمع أن تكون لها نفس المواقف التي قد تستوجبها تناقضات الدول.

إن شعبا لا يرتفع بوعيه ولا يتمرس بوجدانه ونضالاته في ميدان الحرية لكل الشعوب، لا يكون شعبا حرا ولا يكون قادرا على صنع الحرية لنفسه!

 

 

 

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *