مقدمة في التاريخ المسيحي المغربي

مقدمة في التاريخ المسيحي المغربي

محمد سعيد : عضو المكتب التنفيذي لمركز الدراسات والأبحاث الإنسانية

في كل محاولة للحفر في التاريخ المسيحي بالمغرب تعرف انعطافات وتوقفات وتساؤلات، تسأل الباحث أولاً قبل القارئ، منها مثلاً – هل المغاربة القدماء تدينوا بالمسيحية ؟ و متى تدينوا بها ؟ و من بشرهم بهذه الرسالة المسيحية ؟ و كم كان عدد المعتنقين لها ؟ إلخ…إن محاولتنا هاته لسبر أغوار المغرب المسيحي القديم، ليست هي النهاية في هذا البحث، فقد سبقنا باحثون آخرون حاولوا أن يكتشفوا ما أخفته الصخور التكتونية والأرض المنبسطة والنقوش على الجدران و الأبواب،و طريقة بناء المنازل والأديرة كالدكتور الطيب بوتبقالت الذي نشر مقالات عديدة بموقع هسبريس في هذا الشأن، والذي حاول من خلالها أن يبين تاريخ علاقة المغرب بالمسيحية من وجهة نظره.

ترجع الإشارات الأولى إلى المسيحية في المغرب إلى القرن الرابع الميلادي،و هو يمثل بذلك أخر مناطق شمال إفريقيا تعرفا على الرسالة الجديدة (الدين الجديد)،في حين تأكد وجود المسيحية في قرطاج منذ سنة 180 ميلادية على الأقل، إذ سننطلق هنا من أحد الروايات التاريخية التي تتكلم عن جندي من أصول أمازيغية إسبانية،و هو الشاب مارسيل حسب المثن التاريخي الذي تكلم عنه،ففي (30 أكتوبر 298)،قدم الجندي مارسيل للمحاكمة في طنجستا (طنجة) أمام القائد البريتوري “أوريليوس أكريكولانوس”،و كان يومها المغرب يسمى بموريطانيا الطنجية،يخضع للإمبراطورية الرومانية و يرتبط إداريا بإسبانيا بإعتبارها إحدى الولايات الست المكونة لأبرشية الإسبانيات،حكم على الجندي مارسيل بالإعدام بالسيف عقابا له على رفض الخدمة في الجيش الإمبراطوري قبل ذلك بثلاثة أشهر،و بالضبط يوم (21 يوليوز 298) أثناء الإحتفال بعيد الإمبراطور،فقد ألقى مارسيل سيفه و حمالته على الأرض،و أعلن عصيانه مؤكدا أنه “لا يستطيع أن يقسم على الخدمة إلا في جيش يسوع المسيح”،قدم مارسيل و هو قائد لمائة جندي،أولاً أمام حاكم منطقة غاليسيا بإسبانيا،حيث كان يعمل في أحد الحاميات العسكرية،فقرر أن يرسله إلى طنجة لمحاكمته على يد رئيسه “أكريكولانوس”،أمام هذا الأخير إعترف مارسيل ب”جريرته” و تقرر أن يعاقب بالسيف،لكن أطوار المحاكمة لم تنتهي هنا،فبمجرد ما نطق القاضي بحكمه حتى حدث ما لم يكن أحد يتوقعه،إنتفض الكاتب “كاسيان” واقفا و رمى على الأرض ألواحه و قلمه و وجه كلامه إلى “أكريكولانوس” :”لقد حكمت حكما جائرا”،كان كاسيان كاتبا في المحكمة مكلفا بتسجيل الأسئلة و الأجوبة،و كان مسيحيا مثل مارسيل و كان مغربيا،فألقي به مباشرة في السجن،و بعد شهر مثل أمام “أكريكولانوس” و كان مصيره القتل هو الأخر.

تعتبر قصتا ألام مارسيل و كاسيان أقدم أثر وصل إلينا عن إنتشار المسيحية بالمغرب الأقصى،و هما تصنفان ضمن المرويات الأدبية،ينحدر كاسيان من موريطانيا الطنجية،و يعتبره جيروم كاركوبينو في كتابه “المغرب العتيق” الصادر سنة (1943) “قديساً موريتانيا بالأصالة” و توجد حالياً بالكنيسة الأرثوذكسية بالرباط أيقونتان لهذان القديسان.

تعود أولى الإشارات إلى إنتشار المسيحية في شمال إفريقيا إلى سنة (180 م) بالتزامن مع أول حملة إضطهاد قوي للمسيحية في المنطقة،خلفت هذه الحملة أولى مجموعة من الشهداء في مدينة “سيكلي” قرب قرطاج،و خلدت أعمال الشهداء التي يمكن إعتبارها أول وثائق مسيحية ذكرى ضحايا الإضطهاد الروماني،و تعطي هذه الكتابات إنطباعا بوجود جماعات مسيحية متجدرة بشمال إفريقيا خلال تلك الفترة،ما يدعوا إلى الإيمان بأن بدايات المسيحية في شمال إفريقيا ترجع إلى نهاية القرن الأول و بداية القرن الثاني الميلادي،على العكس من ذلك لا توجد أي إشارة إلى وجود مسيحي ما في موريطانيا الطنجية خلال هذا التاريخ (180 م) أو في السنوات التي تلثه مباشرة،يظهر ذلك من خلال غياب ممثلين عن موريطانيا الطنجية في المجامع الكنسية المتعددة التي إحتضنتها قرطاج من سنة (186 م) و سنة (256 م)،و حتى في النصف الثاني من القرن الثالث الذي شهد فترة تسامح ديني تجاه المسيحية،لا توجد أية إشارة إلى المغرب،و الشيء نفسه خلال فترة الإضطهاد الكبير الذي ميز حكم “ديوكليتيان” (284 – 305) حيث عرفت المسيحية إنتشارا مهما في نوميديا و موريطانيا السطيفية (الجزائر)،على عكس موريطانيا الطنجية التي كان الشهداء تلك الفترة فيها أساسا ينتمون إلى الحاميات الرومانية و لا شيء يثبت أنه كانت هناك جالية مسيحية محلية،وفق ما يورد “دومينك أرنولد” في كتابه “تاريخ المسيحية في إفريقيا : القرون السبعة الأولى”،و بشكل عام فإن أقدم الإشارات إلى وجود المسيحية بالمغرب لا ترقى إلى أبعد من القرن الرابع،حسب ما ورد في كتاب “تاريخ المغرب تحيين و تركيب” الصادر عن المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب،إذ يقول الكتاب “أما بالنسبة للمسيحية فلا نتوفر سوى على أدلة محدودة عن دخول المسيحية إلى موريطانيا الطنجية،إذ أن أقدم الشهادات الأثرية قد لا ترقى إلى أبعد من القرن الرابع الميلادي،و تم العثور عليها بالمدن الشمالية للمقاطعة،فبحي لالة شافية بمدينة طنجة – و هو حي يوجد خارج حدود المدينة العتيقة – عثر على مبنى على هيئة كنيسة ذات خمسة بلاطات،فضلا عن إكتشاف أربعة شواهد قبور تحمل طغر المسيح،مما يشهد على وجود طائفة مسيحية مهمة بهذه المدينة إبتداء من القرن الرابع الميلادي،و أبانت الحفريات التي أنجزت مؤخرا بزيليل (قرب أصيلة) على وجود كنيسة مسيحية أنشئت خلال النصف الثاني من القرن الرابع الميلادي،قد تكون دمرت مع باقي التكوينات المعمارية لهذه المدينة خلال الإجتياح الوندالي سنة (429 م)،ويتعارض هذا مع ما سبق أن ذهب إليه “كاركوبينو” في القرن الماضي من القول بقدم الوجود المسيحي في موريطانيا الطنجية،حينما قال هذا المؤرخ المتخصص في تاريخ روما القديم،إن الوجود المسيحي في المغرب يعود إلى القرن الثالث،و لا أدل على ذلك من إستمرار تشبت سكان مدينة وليلي بالقيم الرومانية لغة و دينا،بعد جلاء القوات الرومانية عن الأجزاء الجنوبية لموريتانيا الطنجية منذ نهاية القرن الثالث،و يقدم “كاركوبينو” حججا أخرى لتدعيم مواقفه،لكن محمد المبكر يرفض كل استنتاجاته و يرد عليها في كتابه عن المسيحية و الترومن (1).

الهامش :

1 – أنظر مجلة “زمان” العدد (10 / 11) غشت / شتنبر 2014 = ص 68 – 69.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *