لماذا تنزعج الإديولوجية الظلامية من الفكر ؟

لماذا تنزعج الإديولوجية الظلامية من الفكر ؟

لقد حان الوقت لنقول مع القائلين:” أننا نعيش في بلد اللاشيء. بلد المكر والخديعة يتاجر بالإديولوجيات”، ليس كلامي راجعا إلى ما قرأته حول “الإديولوجية العربية المعاصرة” لعبد الله العروي وليس كلامي مأخوذا من كتاب “الأديولوجية” للكاتب كارل ماركس، بل كلامي نابع من مصطلح يستفز كل غيور على الفعل الديمقراطي و الحقوقي ببلادنا، مصطلح “الأمن الروحي للمغاربة” الذي يلوكه سياسيونا سواء الممخزنين القدماء أو “الككفونيا المخزنية” الجديدة التي صارت فيما ارتضاه النظام السياسي.

فهذا المصطلح نابع من عدم وعي الفاعل السياسي والإعلامي بمعنى “حرية الاعتقاد والتدين”، وخوفه أن تطرح عقائد الناس للنقاش في المستقبل لعدم قدرته على تحصين إديولوجيته الفارغة، والمُصابة بالوهن الفكري الزائف، فلو سمعنا من السياسيين و الإعلاميين وغيرهم عن الأمن الغذائي والأمن الحدودي..، فنقول هذا شأننا جميعا كمغاربة، لكن أن نتكلم عن خصوصية فردية ونسميها بفعل جامع “الأمن الروحي للمغاربة”،فهذا هراء إديولوجي سافر، فهذه الإديولوجية المصنعة والبارعة في التصنع كأصحابها، والتي تحيط بنا في المجال السياسي والثقافي والإجتماعي… تنزعج من الفكر،لأن الفكر يشتت أتباعها الذين حشدتهم، وهذا راجع لكون الفكر يبث الهدوء و السكينة في أصحابه،عكس المُؤدلجين الذين يثيرون البلبة والضوضاء نظراً لعدم قدرتهم على تقديم و لو مصوغ واحد عن أهمية هذه الإديولوجية المقيتة ببلادنا لما تناقشهم في فراغها و خوائها من أيًة روح تحررية.

فالفكر يفكك بلاغيات الإديولوجياً مما يفقدها بريقها و سلطتها المهيجة لغرائز العوام،الفكر يبصر ما لا تبصره الإديولوجياً مما يهيج مشاعر الحسد و الغيرة عند المؤدلجين (لذلك فالمؤدلجون حقودون !!)،الفكر يفضح إختلالات هذه الإديولوجيا، لا بمقاومتها مقاومة مباشرة بل بالتنوير الموجه بالتحليل و النقد العلمي فتضطر هذه الإديولوجياً شيئا فشيئا إلى الكشف عن حقيقتها أمام الفكر،لأنها منتفخة و كاذبة تقول مع نفسها “أنها تمتلك الحقيقة الروحية للأفراد و الجماعات”، وسرعان ما تهوى إذا عرف أصحاب الفكر كيف يزيلون عنها ستائرها المخملية..هذه الإديولوجياً ذات وجه بشع،فهي تقصي من كان مسيحياً أو يدين بمعتقد ما بهذا البلد،هي قناع زائف يريد الإقصاء للمُخالفين للرأي و المعتقد.

هذه الإديولوجيا تريد أن يصير الفكر كحدوة حصان مسطحاً ودائرياً كذلك، و تستطيع أي بندقية يرفعها جبان معتوه أو أحد الغوغاء أن تسحق من يعتقد ما لا تعتقده،هذه الإديولوجياً تتظاهر بأنها “رجل” ثري و قوي، صخاب…فسرعان ما تفضحه محضياته في كل تموز لأنه من مخصيي القصر..أن تكون مؤدلجاً هو أن تتمنى ألا أفضحك فكرياً و نظرياً،و ألا أقارعك بالمعرفة و القلم،أن تكون مؤدلجاً هو أن تثير الغوغاء بمفردات القداسة و الوطنية و الهوية المُنخرمة ضدي.

إذا كنت إديولوجياً،فأنت تستحب التبديه الفكري،عكس غير المُؤدلج الذي يرفض هذا التبديه الطافح بنقصانه المعرفي،فالتبديه هو أن نأخذ بعداَ من أبعاد شرطنا الإنساني،ما أخذ ما أعلن عن نفسه و وضح في ذاته،الإديولوجيا تنطلق من ما استبدهه العوام فتبديه في الأدهان بكبح روح النقد و السؤال.

مثلا – هل سبق لك أن تسألت قائلاً :”ماذا يعني أن أتفكه ؟”

هل سبق لك أن إستشكلت الضحك فأشكل عليك أمره ؟

إن فعلت فإنك ممن جبل على التفكير في “الشرط الانساني”،و إن لاَ،فلربما تحتاج إلى التنور بما يضيء ذلج ما أصابك من تأذلج.

إنني أغضب من الدجاليين و المؤدلجين الدينيين و “سارقي أحلام الناس في اليقضة”،إنني أغضب من هؤلاء الذين أتقنوا و تفننوا في عدم ترسيم حرية الإعتقاد بالدستور المغربي،إنهم حقاً خفافيش هذا الظلام الدامس بهذا البلد.

محمد سعيد : عضو المكتب التنفيذي لمركز الدراسات والأبحاث الإنسانية (مدى)

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *