عبد الرحيم الخوتم: المدير المسؤول عن التحرير بمجلة العمالات والأقاليم بالمملكة

لا يخفى على خافي أن جل الخطابات الملكية السامية تشكل لحظات في قمة القدسية والرمزية ومحطات تواصلية في غاية العمق بين ملك نبيل وشعب نبيل أيضا، خطابي عيدي العرش المجيد وثورة الملك والشعب لهذه السنة خلقا الحدث كالعادة نظرا لكونهما نتاج عمق لرؤية ثاقبة ظلت دوما تنتج أساليب الحكمة.

إن الخطاب الملكي السامي بمناسبة عيد العرش مثلا توقف عند مركزية أدوار المؤسسة الملكية في مشهد التحول الإيجابي الذي تشهده البلاد ملفات أساسية تناولها الخطاب السامي في مشاريع الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي المنشود، وعلى رأسها مشروع التغطية الصحية، ومشروع إصلاح بعض بنود مدونة الأسرة، ومشروع المناصفة بين الرجال والنساء، ومشروع النهوض بالاستثمار.

لقد قدم الخطاب السامي خارطة طريق لمسار الإصلاحات الكبرى التي أطلق أوراشها جلالة الملك منذ توليه العرش وعلى رأسها التصدي للمعضلات الاجتماعية المزمنة ووضعية المرأة وغيرها من القضايا الراهنة.

وعلى المستوى الخارجي، وقف الخطاب الملكي السامي عند الثوابت المؤطرة للموقف الرسمي المغربي تجاه الجارة الجزائر، والقائم على مبدأ اليد الممدودة ضد كل محاولات تسميم العلاقات الطبيعية بين الشعبين الشقيقين.

إنه خطاب جاء لصنع اللحظة، وذلك بشكل يعكس عمق الرؤية التي ظلت تنتج أساليب الحكمة في إبداع المواقف بالنسبة للمؤسسة الملكية ببلادنا، بعيدا عن منطق الحسابات الضيقة والآنية، وقريبا من صوت الحكمة التي تراهن على المستقبل وعلى بعد الرؤى لتجاوز إكراهات المرحلة الراهنة سواء بالنسبة للملفات الداخلية الاقتصادية والاجتماعية، أو بالنسبة للجوار الإقليمي داخل المحيط المغاربي.

شكل خطاب ثورة الملك والشعب كذلك لحظة للاحتفاء بنجاحات الدبلوماسية المغربية إذ نوه جلالة الملك بالموقف الأمريكي الثابت الداعم لمغربية الصحراء والذي لن يتغير بتغير الإدارات ولا يتأثر بالظرفيات، وهذه إشارة واضحة لخصوم وحدتنا الترابية الذين كانوا ينتظرون بفارغ الصبر تغيير الرئيس الأمريكي الجديد جون بايدن موقف الولايات المتحدة الأمريكية تجاه مغربية الصحراء، وقد سبق لجلالته أعزه الله أن نوه بالموقف الأمريكي في خطاب المسيرة الخضراء سنة 2021، وفي نفس السياق ثمن جلالة الملك بالموقف الإسباني الأخير الذي دعم مبادرة الحكم الذاتي في شهر مارس 2022 والذي أعاد جسور الثقة والعلاقات والشراكات بين البلدين الشقيقين، فجلالة الملك في خطاب ثورة الملك والشعب السنة الماضية أكد بأنه يريد من إسبانيا بناء علاقات واضحة تسودها الثقة والإحترام المتبادل.

ذكر جلالة الملك العديد من الدول الأوروبية التي دعمت الحكم الذاتي باعتباره مبادرة جادة ومسؤولة وصادقة وتعتبر فرصة تاريخية وذهبية لحل النزاع المفتعل، فهذا الدعم الأوروبي سيساهم في بناء علاقات جديدة أساسها التعاون المشترك والثقة المتبادلة.

وأكد جلالته في مستهل هذا الخطاب الملكي السامي بديبلوماسية القنصليات التي أعطت أكلها وثمارها، إذا يبلغ عدد القنصليات الآن 30،وثمن جلالته بمواقف الدول العربية الثابتة وكذا مواقف الدول الإفريقية والتي تمثل 40٪، فالمغرب سواء قبل عودته لبيته الإفريقي أو بعد عودته سنة 2017 يعمل جاهدا على تعزيز الشراكات وتعاون جنوب جنوب في شتى المجالات مع الدول الإفريقية تكريسا لديباجة دستور 2011 ، فبعد عودته مباشرة، العديد من الدول الإفريقية غيرت مواقفها المعادية لوحدتنا الترابية، َذلك بفضل جهود الديبلوماسية المغربية تحت القيادة الرشيدة والمتبصرة والحكيمة لجلالة الملك حفظه الله، فالديبلوماسية المغربية تستند في عملها على الثوابت الدستورية والمبادئ العالمية المتضمنة في المواثيق الدولية بما فيها ميثاق سان فرانسيسكو المحدث لمنظمة الأمم المتحدة ومن أهمها حفظ السلم والأمن الدوليين ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

نوه جلالة الملك بمواقف دول أمريكا الجنوبية ومنطقة الكاريبي، ولعل دولة البيرو خير مثال على ذلك التي جددت مؤخرا موقفها الداعم لوحدتنا الترابية، وأكد جلالته بأن الصحراء المغربية تعتبر بمثابة مقياس يقيس به المغرب صدق الصداقات ونجاعة الشراكات فهذا الملف الوطني هو نظارة المغرب للعالم، ودعا جلالته الشركاء التقليديين والجدد بتبني مواقف واضحة تجاه وحدتنا الترابية وقد سبق لجلالته أن أكد على ذلك في خطاب المسيرة الخضراء السنة الماضية بل وشدد جلالته بأن المغرب لن تكون له أي شراكات إقتصادية ولا تجارية مع أي دولة لا تحترم وحدتنا الترابية، وبخصوص هاته المواقف نفتح قوس صغير هنا بخصوص دولة كولومبيا التي غيرت موقفها وأعادت علاقاتها مع الكيان الوهمي البوليساريو ، إذ تعود أسباب ذلك بالتقارب الإيديولوجي بين هذا الكيان الوهمي وحركة التمرد 19 أبريل المسلحة التي كان ينتمي إليها الرئيس اليساري الجديد لكولومبيا،فهذه الحركة كانت قد شاركت في حرب العصابات ضد القوات الكولومبية سنة 1970.

جلالة الملك ينوه بالمجهودات التي تبذلها الجالية المغربية في الدفاع عن وحدتنا الترابية

أكد جلالة الملك أن مغاربة العالم يواجهون عراقيل وصعوبات لقضاء أغراضهم الإدارية وإطلاق المشاريع الإستثمارية، وقد سبق لجلالة الملك أن إنتقد الإدارة العمومية عامة والمراكز الجهوية للإستثمار خاصة ودعا لتغيير العقليات في خطاب افتتاح البرلمان سنة 2016،وفي العرش 2019 أكد جلالته بأن القطاع العام يحتاج لثورة ثلاثية الأبعاد ثورة في التخليق والتبسيط والنجاعة،وفي خطاب العرش هذه السنة أكد أن هناك العديد من المشاريع الإستثمارية تعاني من عراقيل، وبالتالي نجد أن جلالة الملك أعزه الله لازال ينتقد ملف الإستثمار، وتجدر الإشارة أن جلالته في خطاب العرش المجيد سنة 2018 دعا لإصلاح المراكز الجهوية للاستثمار وإحداث اللجان الجهوية الموحدة للإستثمار وهذا ما تم بالفعل من خلال القانون 47.18، بل أكثر من ذلك أنه دعا لإخراج ميثاق الإستثمار في نفس الخطاب وفي خطاب افتتاح البرلمان السنة الماضية وفي خطاب العرش هذه السنة دعا جلالته لجلب الإستثمارات وتحفيز الصادرات والنهوض بالمنتوج الوطني .

نوه جلالة الملك بأن الجالية المغربية بما فيها اليهود المغاربة تتمتع بكفاءة عالية في شتى المجالات لذا ينبغي الإستفادة منها لخدمة المغرب وتنميته، ودعا جلالته لإحداث آلية خاصة لمواكبة كفاءات ومواهب مغاربة العالم ودعم مبادراتهم ومشاريعهم، وشدد جلالته بدعوة شباب مغاربة العالم وحاملي المشاريع للإستفادة من فرص الإستثمار والإمتيازات التي يمنحها وطنهم الأم المغرب من خلال ميثاق الإستثمار الجديد الذي من بين مرتكزاته استفادة المغاربة المقيمين بالخارج والذين ينجزون مشاريع إستثمارية في المغرب ممولة بعملة أجنبية  من نظام التحويل يضمن لهم الحرية، ودعا جلالته بإنخراط كافة الفاعلين من قطاع عام وخاص للمواكبة الشاملة والإنفتاح على المستثمرين من الجالية المغربية والشراكة معهم.

كما دعا جلالته في نهاية الخطاب الملكي السامي لإعادة تأهيل الإطار المؤسساتي الخاص بمغاربة العالم وإعادة النظر في نموذج الحكامة المعمول به من أجل الرفع من النجاعة وجودة الخدمات والمردودية والفعالية، وهنا ننوه بأن المغرب اهتم في دستور 2011 بمغاربة العالم في الباب الأول من خلال الفصول 16 و 17 و18 بالإضافة إلى الباب 12 من خلال الفصل 163 والذي ينص على مجلس الجالية المغربية بالخارج، حيث أن هذا المجلس منذ نشأته إلى يومنا هذا لعب دورا أساسيا.

أخبار ذات صلة

مولاي عمر الزهراوي يعزي في وفاة الفاضلة زوجة المحامي الجليل محمد جلال

عادل الصغير كاتبا وطنيا جديدا لشبيبة العدالة والتنمية 

تهنئة لنبيل وزاع الأمين العام للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان ومحاربة الفساد بمناسبة عيد ميلاده

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

@