توفيق مصباح

فيلم “جرادة مالحة” أول فيلم سينمائي طويل للمخرج والممثل إدريس الروخ. فيلم “مختلف” ويطرب من يشاهده قدم فيه بطاقة اعتماده كمخرج سينمائي بعد تجارب ومغامرات تلفزيونية.

لكن في البدء كان المسرح استطاع الروخ على الركح أن يضبط إيقاع الإخراج، وتدفق الإنارة، وحركات الممثلين وسكناتهم. الخروج من “بيضة” المسرح، إلى “مصنع” التلفزيون وهدير آلات الإنتاج التي تعدو ضد الساعة وتستنزف الوقت والجهد والطاقة، من أجل الوصول إلى “بستان” السينما لقطف الفواكه.
اختلاف الفيلم في قصته المغايرة والمتحلّلة من المكان والزّمان، وشخوصه المضطربة والهلامية التي تتحرك كماريونات يتحكّم فيهم “إله خفي” كان على مدار الفيلم هو الذي يصنع أقدار أبطاله، ويرسم أبعاد الرّكح الذي يلعبون فيه.. في الحقيقة كانوا لا يلعبون بقدر ما كان هو الذي يلعب بهم، مختبئا في زاوية من “مسرح” الأحداث يراقبهم، ويغسل أدمغتهم، ويوزّع عليهم الأدوار، منهم القاتل والمقتول، الضحية والجلّاد.

تدور الأحداث في مكان ما وفضاء ملتبس وبديكورات ثابتة نشاهدها عبر رحلات بطلة الفيلم اليومية ذهابا وإيابا، وفي زمان ما ليس هنا، ربّما هناك في زمن افتراضي يحبس الأنفاس. غياب للزمان والمكان وغياب للوعي والإرادة، كل شخصية تمارس سلطتها وساديتها على الآخر، والمحرك لكل هذه العوالم “شبح” لا مرئي يحشر شخصياته في قارورة من زجاج يتسلى بانهيارها.

الفضاء “دائرة” نقطة البداية هي نقطة النهاية، تحاول بطلة الفيلم تمزيق “الدائرة” للانفلات من “شرنقة” الذاكرة المسيجة بستار من الغموض، وكل خطأ في “البروتوكول” أو تساهل في تطبيق “النظام” أو التقيد بتنفيذ التعليمات الصارمة يعني “الموت” حتى لا يختلّ توازن العالم الذي تبشّر به منظمة “جرادة مالحة”، عالم مستقبلي “مثالي” و”ناجح” لا مكان فيه للرحمة أو االشفقة أو التسامح.

بطلة الفيلم “منى الرميقي”، التي قد تكون اكتشافا جميلا، ووجها سنتذكره ولن ننساه بعد نهاية الفيلم.. “منى الرميقي” احفظوا هذا الاسم، حتى هي ليست من هنا، بل من هناك استقدمها الروخ من أمريكا.. بطلة الفيلم نسافر عبر ذاكرتها المشوشة واضطرابها النفسي وقلقها الوجودي، قصة بحث عن ذاتها وماضيها المفقود. منظمة “جرادة مالحة” قامت بامتصاص ذاكرتها وحشوها بصور وذكريات وأحداث مزيفة. وما يبقيها على قيد ماضيها هو ترسّبات وأشباه صور استقرت في قعر ذاكرتها، لم تفلح كل حقن منظمة “جرادة مالحة” السرية وأدويتها وتجاربها المخبرية في اغتصاب ماضيها.
فيلم هو خليط بين عدة أجناس سينمائية: بين البسيكودراما والخيال العلمي والفانتازيا والغرابة والغموض والرعب. ساعتان مضمونتان من التشويق وركوب الإثارة، للخروج بخلاصة: نستطيع صناعة سينما مغايرة ومختلفة تتخطى الحدود والأمكنة، بدليل أن الفيلم لا دين ولا جنسية ولا لغة له، فيلم خارج التعليب والتصنيف، فيلم يتجرد من الانتماء الهوياتي واللغوي.. “جرادة مالحة” العنوان هو ما يمنح ربما للفيلم “جوازا” وبطاقة “هوية”، وحتى إذا استغنى عنها (أي جرادة مالحة” لن يتغير في الفيلم شيء.

قد نصنع فيلما بروح عالمية وإنسانية، وقصة تلبس الغموض، تتقاطع مع أفلام هوليوودية عشنا معها التوتر والانقباض.
قد تمضي ساعتان وكأن الزمن لم تمرّ منه إلا دقيقتان. يحجزك إدريس الروخ في كرسي، يخدّرك، يطلق عليك رذاذا ينبعث من الصور، ليقول لك لا تغادر كرسيك، لا ترمش بعينيك، لا تحكّ أنفك، لقد أقلع الفيلم، فلا تنس أن تربط حزام السلامة.
هذا باختصار هو فيلم “جرادة مالحة”، طائرة تُقِلّك إلى عالم خيالي وفانطاستيكي وغرائبي، وتسافر بك في فضاء تغطيه عتمة وسماء قاتمة، من يقود الطائرة؟ ربّان متخفٍّ. ومن المضيفات والمضيفين: فاطمة الزهراء بناصر وعبد الرحيم المنياري وعدنان موحاجة وخنساء باطما ومحمد الورادي.
فريق استطاع الظهور بلوك جديد، سواء بناصر التي تتحرك كآلة، أو الأصلع المنياري الصارم القسمات الذي تكفي نظرة واحدة من نظراته السامة ليلقي ليك الرعب، أو موحاجة الذي كان ذئبا في فرو أرنب. لكن الأهم هو تفوق المخرج في استغلال نقط قوتهم للقيام بأدوار ربما قد تظل عالقة في أذهانهم، مثل عنوان مثير ك”جرادة مالحة” قد يتذكره إدريس الروخ كثيرا، لأنه توج به بأفضل مخرج بمهرجان الإسكندرية السينمائي، ليقص به شريط الجوائز، في انتظار ما هو قادم من أفراح.

أخبار ذات صلة

مجلس النواب يتجه إلى الاعتماد على الطاقة من مصادر متجددة

“فيسبوك” تخطط لحذف “بصمات الوجه”.. وميزة أخرى تختفي قريبا

أمريكا: انطلاق حملة تطعيم الأطفال ما بين 5 و11 عاما ضد فيروس كورونا

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

@