المقهى.. الوطن..

المقهى.. الوطن..

ذ: عبد الجليل الشافعي كاتب مغربي

أجلس في المقهى، ولا أنتظر حبيبتي الحلوة كما غنى كاظم الساهر يوما.. أجلس في المقهى مثل أي شاب عربي مغربي، أَتعبته العطالة، وأتعبه عدُّ الأيام وَتَرْبِيةُ الأمل كما قال “درويش” يوما…أراقب المارة بلا ملل ولا كلل وكأني بي جندي أُحيل على المعاش، فأحالته زوجته، أسرته، ومجتمعه عن الحياة، أراقب المارة، أراقب وجوههم الناطقة بؤسا وفقرا وتعاسة، فكل وجهٍ بحكايته يبوح..

وأَرَانِي فيهم، أرى نفسي في ماسح الأحذية الذي يحرك يديه في احترافية صانع وفي سرعة ضوئية وكأنه يُشْغِلُ نفسه بذلك عن واقعه، هو الذي يُنظف أحذية الآخرين ويتسخ مقابل دراهم معدودة وكثير من الإهانة.. حين يَتَسَلْطَنُ عليه زبون لا يحلو له شرب سيجارته إلا في حضرة ماسح الأحذية، وينفث دخانه الكريه، كسيارة قديمة في وجه المسكين..

وأرى رفضا للواقع في عينيه…

ثم أجد نفسي أتساءل: وأنا أقارع قهوتي السوداء سَوَادَ واقعي، حول رجل اختار أن يفطر في المقهى هاربا من نكد زَوْجِتهِ وتساؤلاتها وطلباتها التي لا تنتهي.. أَوَ ينفع الزواج إن كان مكلفا ومنفرا إلى هذا الحد؟؟

أجلس في مقهى شعبي، طبعا كلمة شعبي، هي وصف يعزينا ويجبر بخواطرنا، تماما كما يسمينا العالم المتقدم بالدول النامية، أو دول العالم الثالث، رفعا للحرج، ولصفة القدحية، في حين أن الوصف الحقيقي، هو أننا دول متخلفة، فقيرة، وحقيرة، فالأصل أيضا أنه مقهى فقير حقير، يُحاكي حَيَّهُ الذي تنتشر فيه الأزبال انتشار الفِطْرِ في غابة ماطرة.. مقهى تتجَّسد فيها تناقضات شعب بأكمله، بهمومه، بقهره وبخيباته المتكررة، والمتوارثة.. فنحن شعب نورث الهم والمشاكل والعجز لنشئنا..

وأنت في المقهى تراقب المارة، ترى العجب العجاب، ترى شبابا في عمر الزهر.. يصرخ بسبب وبلا سبب، ويسب العالم والرب.. تراه يستيقظ حتى الظهر.. ويتمنى قبر..

ترى فتيات، بل، ونساء نسين أنفسهن وخرجن إلى الشارع بلباس النوم..نساء بِرُبْعِ متر من القماش موزع على جسد يحتاج مترين منه ليتغطى، نساء يحرصن على شراء بنطلونات من نوع”hd” كي تتضح الصورة أكثر.. نساء يجسدن المثل القائل (شوية شوية من الحاجة) نعم، فنساء بلدي يعتنقن الحرية والشفافية مذهبا ودينا، وتبعا لذلك، فإنهن يُصرحن بممتلكاتهن، كل ممتلكاتهن إلا النَّزَرَ القليل، الشيء الذي عجز عن فعله سارقوا هذا البلد.. وممثلوه في البرلمان..

جالس في المقهى، لا أنتظر شيئا، أو أنتظر أشياء بسيطة في مجتمعات أخرى، أشياء تكتسي صفة الأحلام في بلدي، كأن أجد وظيفة ما، تكفيني لأن أدفع لهم ثمن ماء وكهرباء يصعدان دائما إلى الفوق، وكأن أثمنتهما يتسابقان مع شجرة النخيل التي تقف منتصبة أمامي في تحدٍّ مستفز..

أجلس في المقهى، أُنفق فيها سنوات الرَّتيبة، وغير المجدية والمُسْتَنْسَخَةُ نسخاً كربونية، مثل خطابات الساسة..

أحتسي قهوتي وأرى “ذكورا” في حالة طوارئ جنسية، يعاكسون كل من هو ليس ذكرا يمر بقربهم .. ويطلقن النظر بعيون غارقة كبتا وجوعا ونهما.. يراقبون تضاريس إناث يعرفن كيف يبرزن الحدود في جغرافياتهن وَيُصْرِرْنَ إصرارا غريبا، على أن يَضَلْنَ إناثا، لا نساء..

أجلس في المقهى المطلة على الشارع، أشاهد واقعي المتناقض، فيسقط نظري على القابض (الروسوفور) التَّعْبَان، فأرفع له القبعة، لأن له قدرة تَحَمُّلٍ تَفُوقُ النُّوقَ.. قدرة تجعله يتحمل كل هذا الألم مع شعب لم يستطع بعد أن يتعلم، أن ركوب “الطوبيس” يكون من الباب الأمامي، والنزول منه يكون من الباب الخلفي..كما إني أرى شبابا مثلي قهرهم الواقع الواقعي، فاختاروا أن يرتموا في واقع افتراضي وهمي.. فبدَّلوا أصدقاءهم الرائعين بهواتف (رائعة) وصار الصديق الجيد يساوي جهازا جيدا.. فالمحظوظ منا من له صديق من طينة-جيل- ايفون أو سمسونج جلاكسي..

في المقهى، تجد من يُحَلِّلُ الواقع العربي وثوراته المعوقة. ثوراته الموءودة، والتي لا نعرف بأي ذنب وُئْدت، ويتحدث بلغة يَقِينِيَّةٍ، فتحس أنك أمام المهدي المنجرة أو العروي، أو عزمي بشارة.. وتجد من يناقش الدِّين وداعش ويستدل بالحديث  المسبوق “بالعنعنة” والسند واختلاف الرواة وكأنك تجالس ابن القيم، أو الحسن البصري..

وأنت في المقهى، تشاهد من يترك البقشيش لنادل يفرح بها فرح من توشح بوسام ملكي..وفي الرُّكن القصيِّ من المقهى، كما في الوطن، طالب يتحسس كل حين جيبه لِيطمئن على دراهمه المعدودة، ويتمنى في قرارة نفسه، لو أنه لم يدفع ثمن البَرَّاد الذي أفرغه حتى آخر نقطة شاي فيه..

في مقهى بلدي، شعب مهووس بالكرة، فإذا رأيت فرحتهم حين يسجل الهدف، خُيِّلَ إليك أن فلسطين صارت حرة وسبتة.. عادت للمغرب.

في مقهى بلدي كثير من “أنا” يظنون أنهم كتاب، وأن كتابتهم على حائط الفيس – المبكى- هذا، كفيل بأن يغير الواقع.. واقع المقهى .. واقع الوطن.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *