خريبكة تجمع الباحثين والمثقفين في الدورة الثانية لندوة “مرايا الثقافة” لمساءلة تحولات الخطاب الثقافي المعاصر
نادية أبكري
تحولت مدينة خريبكة، على مدى ثلاثة أيام، إلى فضاء مفتوح للحوار الفكري والنقاش الأكاديمي، بعدما احتضنت الخزانة الوسائطية التابعة للمجمع الشريف للفوسفاط فعاليات الدورة الثانية للندوة الدولية “مرايا الثقافة”، المنظمة تحت شعار “دينامية الخطاب الثقافي بين السرد والإعلام والتواصل العالمي“، بمشاركة نخبة من الباحثين والجامعيين والنقاد القادمين من مختلف الجامعات المغربية ومن مؤسسات أكاديمية عربية ودولية.
وشكل هذا الموعد العلمي والثقافي مناسبة لتجديد النقاش حول التحولات التي يعرفها الخطاب الثقافي في زمن الرقمنة والتواصل الفوري، حيث التقت تخصصات الأدب والسيميائيات والإعلام والترجمة والسينما حول طاولة واحدة لمقاربة أسئلة الهوية والتمثلات الثقافية والعلاقة المتشابكة بين الثقافة والإعلام.
الندوة التي نظمها المركز الوطني للتربية والتكوين والثقافة، بشراكة مع مختبر الأبحاث التطبيقية في الأدب واللغة والفن والتمثلات الثقافية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال، والكلية متعددة التخصصات بخريبكة، ومؤسسة أفرا للدراسات والأبحاث والخزانة الوسائطية بخريبكة، جاءت تحت الإشراف العلمي للدكتور الشرقي نصراوي، الذي أكد في كلمته الافتتاحية أهمية الانفتاح على المقاربات الجديدة في دراسة الظواهر الثقافية ومواكبة التحولات التي فرضتها التكنولوجيا الحديثة على أنماط إنتاج المعنى وتداوله.
وعرفت الجلسات العلمية الأولى زخماً فكرياً لافتاً، حيث ناقش الباحثون قضايا التخييل السردي والتمثلات الثقافية في الأدب المغربي والعربي، من خلال مداخلات أكاديمية قدمتها الباحثة عزيزة لعميري، والباحثون سمير فجوري ومحمد أكريد وعصام بدري ومرية ياسيد، الذين تناولوا موضوعات تتصل بالسرد والهوية والمتخيل الثقافي والرموز والدلالات في النصوص الأدبية.
وفي محور آخر، انفتح النقاش على صورة المغرب في أعين الآخر، حيث قدم الباحث المصطفى لعروصي قراءة في تمثلات الشخصية المغربية في السينما الأجنبية، بينما تناولت الباحثة أمينة الكريمي صورة المغرب في رحلة الرسام الفرنسي أوجين دولاكروا، كما ناقش الباحث عبد الرحيم سليلي حضور اليومي في الشعر المعاصر، وقدمت الباحثة فاطمة الزهراء رحمي دراسة حول الخطابات الثقافية والأنساق المضمرة، فيما توقف الباحث صالح ثمري عند حضور اللغة الأمازيغية في الفيلم الوثائقي المغربي.
ولم تغب قضايا التربية والثقافة الرقمية عن أشغال الندوة، حيث ناقش المشاركون أثر التحولات التكنولوجية في العملية التعليمية، من خلال عروض علمية قدمها سارة أضوالي وسعيد الأشعري وعبد العاطي السطوري ومحمد سمايو ورشيد لعلامة وجبير مجاهد، ركزت على دور البلاغة والثقافة الرقمية والوسائط الحديثة في تطوير الممارسة التعليمية وتعزيز الوعي الثقافي لدى المتعلمين.
أما اليوم الثاني من الندوة فقد خصص جانب مهم منه لقضايا الهوية والذاكرة والترجمة، حيث استعرضت الباحثة التونسية ناهد بنسيدهم أدوار الترجمة في بناء الجسور بين الثقافات، فيما قدم عبد الهادي الخطاري قراءة في صورة الشاي المغربي داخل الخطاب الرحلي الغربي. كما ناقشت الباحثة فاطمة الزهراء الراضي إشكالات الذاكرة في الكتابات الدياسبورية، بينما تناول محمد أولوحدوش صورة الذات والآخر في أعمال الكاتبة الفرنسية آني إرنو، وقدم محمد سحتوت دراسة حول تمثلات الاختلاف الديني في السينما المغربية.
كما شهدت الجلسات العلمية نقاشات معمقة حول الثقافة المحلية والمناهج التعليمية والسيميائيات والنقد الثقافي، بمشاركة عدد من الباحثين من بينهم محمد الكحلاوي ومراد جدراوي وبشرى الساري وعبد المجيد المرزاوي وإسماعيل مناي ويوسف بشاري ويوسف الفضاضي وعادل معدي وسعاد كمالي وسعيد كزري.
وفي اليوم الختامي، انتقلت الندوة إلى مساءلة رهانات الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي والتواصل الثقافي، حيث ناقش المشاركون تأثير شبكات التواصل الاجتماعي في تشكيل الهوية وإعادة إنتاج الخطاب الثقافي، من خلال مداخلات قدمها عثمان بالفقيه والحسين بن عدي ومحمد نظاري وعبد الإله مطير ونور الدين ثلاج، إضافة إلى عروض أخرى تناولت الخطاب الرياضي والعواطف الرقمية والتحولات الاجتماعية والثقافية المرتبطة بالإعلام الجديد.
كما خصصت جلسات كاملة لموضوع الترجمة باعتبارها أداة للتفاعل الحضاري والتواصل بين الشعوب، بمشاركة الباحثين مونية رضى الله وعمر امحيريك وخالد بن مقية وسمحة وحيدي وفاطمة الزهراء عزيزي، الذين أكدوا على الدور المحوري للترجمة في نقل المعرفة وتيسير الحوار بين الثقافات.
وعلى هامش أشغال الندوة، احتضنت الخزانة الوسائطية حفل تكريم احتفاءً بعدد من الأسماء التي راكمت تجربة علمية وثقافية متميزة، ويتعلق الأمر بالدكتور رشيد جامع، والدكتور محمد الناصري، والإعلامية سعاد ازعيتراوي، والدكتور الشرقي عامر، والدكتور عبد الكبير الحسني، والدكتور الشرقي نصراوي، والدكتور عبد العزيز زهري.
واختتمت الندوة أشغالها بجلسة ختامية تم خلالها عرض التقرير العام وتقديم التوصيات التي شددت على أهمية دعم البحث العلمي في مجالات الثقافة والإعلام والترجمة، وتشجيع الدراسات البينية، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الجامعية ومراكز البحث الوطنية والدولية.
وأكد المشاركون، في ختام هذا الموعد العلمي، أن الدورة الثانية من “مرايا الثقافة” نجحت في ترسيخ مكانتها كفضاء أكاديمي للحوار وتبادل الخبرات، وكمنبر علمي يواكب التحولات المتسارعة التي يعرفها الخطاب الثقافي في العصر الرقمي، بما يفتح آفاقاً جديدة للبحث والتفكير في قضايا الثقافة والهوية والتواصل.


