الرباط في فيينا.. الابتكار الرقمي والذكاء الاصطناعي في صلب رؤية جديدة لتطوير المدن وتعزيز التعاون الحضري
استعرضت رئيسة مجلس جماعة الرباط، السيدة فتيحة المودني، يوم الخميس الماضي بالعاصمة النمساوية فيينا، تجربة العاصمة المغربية ورؤيتها في مجال الابتكار الرقمي والذكاء الاصطناعي وتطوير الخدمات الحضرية، وذلك خلال مشاركتها في أشغال المنتدى الدولي «جسور من أجل المدن 2026» (Bridge for Cities 2026)، الذي تنظمه منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو)، خلال الفترة الممتدة من 28 إلى 30 أكتوبر، بمركز فيينا الدولي.
وشكلت هذه المشاركة مناسبة لتقديم التجربة المغربية في مجال التحول الحضري وتحديث الإدارة العمومية، وإبراز الدور المتنامي للتكنولوجيا والابتكار في تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، وتعزيز نجاعة التدبير المحلي، في إطار رؤية تنموية تجمع بين الاستدامة والابتكار والشمولية.
وخلال مداخلتين، ضمن الجلسة الافتتاحية للنقاش الموضوعاتي وجلسة حوار رؤساء البلديات، سلطت السيدة فتيحة المودني الضوء على أهمية اعتماد حلول رقمية تستجيب للاحتياجات الفعلية للساكنة، وتحقق نتائج ملموسة وقابلة للقياس، مع ضمان موثوقية البيانات وحماية المعطيات الشخصية.
وتندرج هذه الدينامية في سياق التحول الذي تعرفه العاصمة المغربية تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، والذي يقوم على التوفيق بين الحفاظ على الموروث التاريخي والثقافي، وتحديث البنيات التحتية، وتعزيز جاذبية المدينة وتحسين جودة الحياة.
وفي هذا السياق، استحضرت رئيسة مجلس جماعة الرباط المشاريع المهيكلة لوادي أبي رقراق، وبرنامج «الرباط، مدينة الأنوار، عاصمة المغرب الثقافية»، باعتبارهما نموذجين لتوجه تنموي يجمع بين تثمين التراث، والإشعاع الثقافي، وتحديث التجهيزات الحضرية.
الابتكار الرقمي والذكاء الاصطناعي في خدمة المواطن

وقدمت السيدة المودني عرضاً حول تجربة الرباط في تحديث الإدارة وتطوير الخدمات الحضرية، من خلال توظيف المنصات الرقمية وتطبيقات التنقل والخدمات الإلكترونية المخصصة لحجز المرافق الرياضية للقرب.
كما أبرزت أهمية الأنظمة والأدوات الرقمية المعتمدة في تتبع عمليات جمع النفايات، وتحليل شكايات المواطنين، واستباق احتياجات الصيانة، وتحسين توزيع الموارد، وتنسيق التدخلات المرتبطة بالتدبير الحضري.
وفي السياق ذاته، سلطت الضوء على دور مركز القيادة والمراقبة والذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات، وتعزيز الأمن الحضري، ودعم اتخاذ القرارات الاستباقية، والرفع من نجاعة التدبير وتحسين أداء الخدمات العمومية.
وأكدت رئيسة مجلس الجماعة أن نجاح واستدامة المشاريع الرقمية يقتضيان تأهيل الموارد البشرية، وتوفير التمويلات الضرورية، وتعزيز التعاون وتبادل الخبرات بين المدن، بما يضمن الانتقال من الحلول التكنولوجية إلى نتائج عملية تنعكس إيجاباً على حياة المواطنين.
وشددت، في المقابل، على ضرورة ضمان الرقابة البشرية على الأنظمة الرقمية، وتعزيز الأمن السيبراني وحماية المعطيات الشخصية، مع الحفاظ على التواصل المباشر مع المواطنين، وضمان عدم إقصاء الفئات ذات الولوج المحدود إلى الوسائل الرقمية.
التحول الأخضر والتنمية الحضرية المستدامة
وفي الشق البيئي، أبرزت السيدة المودني الإمكانات التي تتيحها البيانات والأنظمة المعلوماتية الجغرافية في تحسين تدبير الموارد، ولاسيما ترشيد استعمال المياه في ري المساحات الخضراء، وتتبع عمليات جمع النفايات، وصيانة البنيات التحتية والتجهيزات الحضرية.
كما تناولت آفاق توظيف الذكاء الاصطناعي في استباق احتياجات الصيانة، وتحسين تدبير الموارد، والرفع من فعالية الخدمات على مستوى مختلف أحياء المدينة.
وأكدت أن التحول الرقمي والبيئي ينبغي أن يسيرا في إطار رؤية شاملة ومنصفة، تجعل من تحسين ظروف عيش الساكنة وتكافؤ فرص الاستفادة من الخدمات العمومية من الأولويات الأساسية للسياسات الحضرية.
كما أبرزت أهمية تحديث التجهيزات الثقافية والرياضية والسياحية، باعتبارها رافعة لتعزيز جاذبية العاصمة وتحقيق تنمية مستدامة تعود بالنفع على سكانها.
الرباط تحضر بصوت إفريقي في الحوار الدولي حول مستقبل المدن
واكتست مشاركة رئيسة مجلس جماعة الرباط بعداً إفريقياً خاصاً، باعتبارها الممثلة الوحيدة لمدينة إفريقية ضمن حوار رؤساء البلديات، إلى جانب مسؤولين ومنتخبين محليين من البوسنة والهرسك واليونان وأذربيجان والصين.
وقد شكلت هذه المشاركة فرصة لإبراز الرؤية الإفريقية بشأن تحديات التحول الحضري، وتقاسم التجربة المغربية في مجال تحديث المدن وتطوير الخدمات العمومية، ضمن فضاء دولي يجمع مسؤولين حكوميين ومنتخبين وممثلين عن منظمات ومؤسسات دولية من مختلف أنحاء العالم.
الرباط وفيينا.. نحو تفعيل شراكة بخارطة طريق عملية
وعلى هامش أشغال المنتدى، عقد اجتماع تنسيقي جمع فريق العمل المكلف بالتعاون من جانب مدينة فيينا بنظيره من مدينة الرباط، خُصص لإعداد برنامج عمل وخارطة طريق تنفيذية لتفعيل اتفاقية الشراكة الموقعة بين العاصمتين سنة 2023.
وتركزت المباحثات على تحديد مجالات التعاون ذات الأولوية، وضبط الإجراءات العملية الكفيلة بتنفيذ الالتزامات المشتركة، وتعزيز تبادل الخبرات والاستفادة من التجارب المتبادلة في مجالات التدبير الحضري وتطوير الخدمات العمومية.
وتندرج هذه الخطوة في إطار الدينامية التي تعرفها العلاقات بين المدينتين، حيث تم توقيع اتفاقية التعاون سنة 2023، بمناسبة تخليد الذكرى الـ240 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين المملكة المغربية وجمهورية النمسا.
وتعد هذه الاتفاقية الأولى من نوعها التي تبرمها مدينة فيينا مع مدينة إفريقية وعربية، بما يعكس أهمية التعاون بين الجماعات الترابية في تطوير المشاريع المشتركة وتبادل الخبرات والتجارب في مجال الحكامة الحضرية.
وشهدت المشاركة المغربية حضور السيد عز الدين فرحان، سفير صاحب الجلالة لدى جمهورية النمسا وسفير المملكة لدى سلوفاكيا وسلوفينيا، والممثل الدائم للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بفيينا، إلى جانب عدد من مسؤولي سفارة المملكة المغربية بالعاصمة النمساوية.
ومن خلال هذه المشاركة، قدمت الرباط تجربتها في مجال التحول الحضري والابتكار الرقمي ضمن النقاش الدولي حول مستقبل المدن، مؤكدة أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ليسا غاية في حد ذاتهما، بل وسيلتان لتحسين جودة الحياة، وتيسير الولوج إلى الخدمات العمومية، وتعزيز الاستدامة، وبناء مدن أكثر مرونة وشمولية وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
