في افتتاحية ماروك إيبدو المغربية ردا على مجلة “ذي إيكونوميست البريطانية”:سبتة بين الحقيقة والرواية: حين يسبق السردُ التحقق الدكتور مروان القباج
“ليس كل سرد متماسك دليلًا، كما أن قوة الحجة الصحفية تبدأ من دقة الوقائع التي تستند إليها”
في عددها المنشور في 9 أغسطس 2026، خصصت مجلة «ذي إيكونوميست» البريطانية بورتريها للملك محمد السادس، حمل عنوان: «Mohammed VI, Morocco’s distracted king»، وقدمت من خلاله قراءة نقدية لطريقة ممارسة السلطة في المغرب، ركزت فيها على دور المحيط الملكي، وعلى ما اعتبرته تراجعًا في الحضور المباشر للملك، وعلى أداء مؤسسات الدولة خلال عدد من الأحداث الأخيرة، من بينها أزمة الهجرة على حدود سبتة.
من حق أي وسيلة إعلامية أن تطرح أسئلة صعبة حول أداء الدولة المغربية، كما أن من المشروع مساءلة السلطات عن ملابسات المأساة الإنسانية التي شهدتها الحدود، وعن كيفية الاستعداد لها والتعامل معها، وعن المسؤوليات السياسية والإدارية والأمنية المرتبطة بها.
غير أن مشروعية السؤال لا تعني بالضرورة صحة الاستنتاج. وهنا تبرز الحاجة إلى التمييز بين ما تثبته الوقائع وما تستنتجه الرواية الصحفية منها.
أزمة سبتة: مأساة تستحق التحقيق إد لا خلاف على أن محاولة العبور الجماعي نحو سبتة كانت حدثا بالغ الخطورة، وأن سقوط عدد كبير من الضحايا يستوجب تحقيقا جديا ومستقلا في مختلف جوانب الأزمة: حجم التحرك، وكيفية تنظيمه، ودور شبكات التواصل الاجتماعي والمعلومات المضللة، ومدى استعداد الأجهزة المعنية، وآليات التنسيق بينها، وطريقة إدارة الحدود.
لكن تحديد المسؤوليات في مثل هذه الأحداث يتطلب أولا تحديد مستويات القرار.
فالمسؤولية السياسية عن سياسة الدولة في مجال الهجرة وحماية الحدود ليست بالضرورة هي نفسها المسؤولية العملياتية عن إدارة نقطة حدودية في لحظة معينة. كما أن وجود خلل أمني أو إداري لا يثبت، بحد ذاته، وجود توجيه مباشر من أعلى مستوى في الدولة.
ومن ثم، فإن الانتقال من إثبات وقوع إخفاق محتمل إلى تحميل شخص بعينه مسؤوليته المباشرة يحتاج إلى أدلة محددة، لا إلى الربط السردي بين الأحداث.
من أبرز عناصر الرواية التي تقدمها «ذي إيكونوميست» الربط بين أجواء عيد العرش والمراسم الرسمية وبين أحداث سبتة. وهنا تكتسب التواريخ أهمية خاصة.
فالخطاب الملكي إلى الأمة أُلقي مساء 29 يوليو، بينما أقيم الاستقبال الرسمي في المضيق يوم 30 يوليو، في حين بدأ التحرك الجماعي نحو سبتة، وفق التسلسل الوارد في الروايات المتداولة، خلال ليلة 30 إلى 31 يوليو. أما مراسم البيعة فأقيمت في تطوان يوم 31 يوليو.
هذه الأحداث مرتبطة زمنيا، لكنها ليست حدثا واحدا، ولا جرت في المكان نفسه.
لذلك، فإن الاستنتاج القائل إن انشغال المسؤولين بالمراسم أدى إلى إضعاف الاستجابة الأمنية يحتاج إلى إثبات إضافي: من هم المسؤولون الذين كانوا معنيين؟ أين كانوا في الساعات الحاسمة؟ ما الاتصالات التي أجريت؟ ما التعليمات التي صدرت؟ وهل ثبت بالفعل أن وجودهم في مناسبة رسمية أثر في اتخاذ القرارات الأمنية؟
من دون هذه المعطيات، يبقى الربط بين المراسم والأزمة استنتاجا تحليليا، وليس حقيقة مثبتة. وهذا فارق أساسي في العمل الصحفي. المسألة نفسها تنطبق على حصيلة الوفيات.
فالعدد الذي أوردته «ذي إيكونوميست» ينبغي وضعه في سياق اختلاف التقديرات والحصائل التي ظهرت من مصادر متعددة خلال فترة الأزمة.
وقد تراوحت الأرقام المعلنة بين مصادر إسبانية ومغربية ومنظمات غير حكومية، وهو أمر مفهوم في الساعات والأيام الأولى لأي حادث جماعي بهذا الحجم، خصوصا عندما تكون عمليات التعرف على الضحايا والحصر الميداني لم تستكمل بعد.
لذلك، فإن التعامل مع رقم واحد باعتباره حصيلة نهائية، من دون توضيح مصدره وطبيعته وما إذا كان رقما رسميا أم تقديرا لمنظمة غير حكومية، قد يعطي القارئ انطباعا بدرجة من اليقين لا تعكس بالضرورة واقع المعلومات المتاحة.
والقاعدة الصحفية هنا بسيطة: حين تختلف المصادر، يجب نقل الاختلاف نفسه، لا إخفاؤه.
فذكر رقم تقديري مشروع إذا كان موثقا، لكن يجب وصفه بدقة على أنه تقدير، والإشارة إلى اختلافه عن الأرقام الرسمية أو المصادر الأخرى.
تستحق الإشارات المتعلقة بالحالة الصحية للملك محمد السادس حذرا أكبر.
فالمعلومات المتعلقة بصحة رئيس دولة أو ملك ليست مجرد تفاصيل شخصية عندما تستخدم لتفسير طبيعة ممارسة السلطة. ولذلك، فإن تحويلها إلى عنصر من عناصر التحليل السياسي يتطلب مصادر موثوقة وواضحة.
إذا كانت هناك معلومات موثقة عن حالة صحية معينة، فمن حق الصحافة تناولها. أما التلميح إلى وضع صحي أو استخدامه لتفسير سلوك سياسي من دون تقديم أساس واضح لذلك، فيبقى أمرا لا ينسجم مع معايير التحقق الصحفي الصارمة.
وفي هذه النقطة تحديدا، ينبغي التفريق بين المعلومة الموثقة والاستنتاج المبني عليها.
وتحتاج كذلك الأوصاف المستخدمة بشأن بعض المتابعات القضائية إلى قدر مماثل من الدقة.
فالقضايا التي يعتبرها منتقدون للسلطات ذات دوافع سياسية، أو التي تنتقد منظمات حقوقية طريقة التعامل معها، يمكن بالتأكيد تناولها صحفيا.
لكن وجود اعتراضات من متهمين أو محامين أو منظمات حقوقية لا يعني تلقائيا أن الرواية المقابلة أصبحت حقيقة قضائية ثابتة.
الصحافة المهنية لا تحتاج إلى تبني أي طرف في النزاع. وظيفتها أن تعرض التهم، ودفوع المتهمين، ومواقف السلطات، والأحكام القضائية حيث توجد، وملاحظات المنظمات الحقوقية، ثم تترك للقارئ القدرة على تقييم الصورة كاملة.
وهنا أيضا، يجب ألا يتحول التوصيف السياسي أو الحقوقي إلى حقيقة قضائية من دون أدلة.
وتطرح مسألة الطريق السريع بين تيزنيت والداخلة مثالا آخر على أهمية التسلسل الزمني.
فإذا كان الإعلان عن إطلاق اسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الطريق قد صدر بالفعل في 26 يوليو، كما تشير المعطيات المتداولة، فإن هذا التاريخ يسبق خطاب 29 يوليو وأحداث سبتة التي بدأت لاحقا.
وعليه، فإن وصف القرار بأنه جاء «في أعقاب سبتة» سيكون بحاجة إلى توضيح دقيق لما إذا كان المقصود هو الإعلان عن القرار أم تنفيذه أو الترويج له رسميا في مرحلة لاحقة.
وهذه نقطة مهمة لأن الفرق بين الإعلان عن القرار وتوقيت تنفيذه قد يغير دلالة الحدث بالكامل.
إذا كان القرار قد أُعلن قبل أزمة سبتة، فلا يصح استخدامه، من دون توضيح إضافي، بوصفه رد فعل على الأزمة.
وفي مقال تقوم إحدى أفكاره الأساسية على أن السلطة استخدمت المناسبات والإعلانات الرسمية لتوجيه الانتباه بعيدا عن الأزمة، تصبح الدقة الزمنية جزءا من صلب الحجة، لا مجرد تفصيل ثانوي.
تقدم المجلة كذلك صورة عن الإعلام العمومي المغربي باعتباره منشغلا بالمراسم والاحتفالات في الوقت الذي كانت فيه أزمة سبتة تتفاعل. لكن ذلك يحتاج إلى منهج واضح: مراجعة نشرات الأخبار، وتحليل مدة التغطية، وتحديد الموضوعات التي تصدرت البرامج، ومقارنة حجم التغطية بأحداث أخرى، والاستناد إلى رصد مستقل إن وجد.
أما الاكتفاء بالمقابلة بين صور الاحتفالات وصور المأساة الإنسانية، فلا يكفي لإثبات أن الإعلام العمومي «تجاهل» الأزمة أو قلل من أهميتها.
في النهاية، لا تكمن المسألة الأساسية في حق «ذي إيكونوميست» في انتقاد الملكية المغربية. هذا الحق لا يحتاج إلى دفاع. المسألة تتعلق بالطريقة التي تُبنى بها الاستنتاجات، أن يكون للمحيط الملكي تأثير واسع هو فرضية قابلة للبحث.
وأن يكون الملك أقل حضورا في الإدارة اليومية للدولة هو أيضا موضوع يمكن تحليله.
وأن تكون البيروقراطية المغربية قد طورت آليات تجعل عملية اتخاذ القرار أقل ارتباطا بالتدخل الشخصي المباشر للملك، يمكن كذلك أن يكون موضوعا مشروعا للتحقيق.
لكن إثبات هذه الفرضيات يحتاج إلى مؤشرات، وشهادات موثوقة، ووثائق، ومعطيات متقاطعة، وليس فقط إلى تجميع أحداث متزامنة ضمن رواية واحدة.
وهنا تكمن المسؤولية الأساسية للصحافة التحليلية: أن تميز بين ما وقع فعلًا وبين المعنى الذي تمنحه له.
ومن المفيد، في هذا السياق، وضع الصورة التي تقدمها المجلة في مواجهة بعض تحليلاتها السابقة للمغرب.
فقد سبق لـ«ذي إيكونوميست» أن تناولت خلال السنوات الماضية التحول الصناعي والتجاري الذي يشهده المغرب، وتحدثت عن تدفق استثمارات صناعية كبيرة وعن نمو قطاعات التصدير، كما تناولت المشاريع والبنية التحتية التي شهدتها الأقاليم الجنوبية.
هذه المعطيات لا تنفي وجود إخفاقات أو أزمات، ولا تشكل دفاعا تلقائيا عن أداء الحكومة أو المؤسسة الملكية.
لكنها تذكر بأن تقييم دولة بأكملها أو مؤسسة سياسية بأكملها يحتاج إلى صورة أوسع من حدث واحد، مهما كانت خطورته.
فالمغرب الذي يستقطب استثمارات صناعية ويطور بنيته التحتية ويعيد تشكيل اقتصاده، هو نفسه المغرب الذي يواجه تحديات اجتماعية وأمنية وسياسية وحقوقية حقيقية.
والتحليل الجاد ينبغي أن يكون قادرا على استيعاب الصورتين في آن واحد. أزمة سبتة تستحق تحقيقًا كاملًا. والضحايا يستحقون معرفة ما حدث والسلطات المغربية مطالبة بتقديم إجابات واضحة حول كيفية وقوع هذه المأساة، وحول المسؤوليات التي تقع على عاتق مختلف الأجهزة والمؤسسات. لكن الوصول إلى هذه الإجابات لا يكون من خلال افتراض النتيجة مسبقا.
إن قوة «ذي إيكونوميست» ومكانتها الدولية تفرضان عليها، أكثر من غيرها، الالتزام بأعلى معايير التحقق، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بملف حساس مثل المغرب، وبشخصية سياسية مثل الملك محمد السادس، وبأحداث سقط فيها ضحايا. فالمشكلة ليست في أن تكون الرواية نقدية. وليست في أن تكون الأسئلة قاسية وليست حتى في أن تكون الاستنتاجات مخالفة للرواية الرسمية.
المشكلة تبدأ عندما يصبح السرد أقوى من الدليل، والاستنتاج أسرع من التحقق، والتسلسل الزمني تابعًا للحبكة بدل أن يكون أساسًا لها في الصحافة الجيدة، لا ينبغي أن تتقدم القصة على الحقيقة ، بل ينبغي أن تأتي القصة بعد الحقيقة ، وهذا هو الفارق بين مقال يروي حدثًا بطريقة جذابة، وتحقيق صحفي يستطيع أن يصمد أمام التدقيق
