55 اتحادا أوروبيا يلوحون بمقاطعة مسابقات كأس العالم … وإنفانتينو أمام اختبار غير مسبوق
لم تكن كرة القدم العالمية تتوقع أن تتحول التحضيرات لما بعد مونديال 2026 إلى مواجهة مفتوحة بين الاتحاد الدولي لكرة القدم وأوروبا. لكن التطورات الأخيرة وضعت رئيس «فيفا» جياني إنفانتينو أمام واحدة من أصعب الأزمات السياسية والرياضية منذ توليه قيادة الجهاز العالمي لكرة القدم.
فقد توحدت الاتحادات الوطنية الأوروبية الـ55 حول موقف رافض لتوجهات «فيفا» الجديدة، ووصل الأمر إلى التلويح بمقاطعة مسابقات الاتحاد الدولي، بما فيها كأس العالم، إذا استمر المشروع الذي يفتح الباب أمام دخول مستثمرين من القطاع الخاص في بعض الأنشطة التجارية المرتبطة بالاتحاد الدولي.
المسألة بالنسبة للأوروبيين ليست مجرد خلاف حول المال. فخلف الأرقام والاستثمارات توجد معركة أكبر تتعلق بمن يملك القرار في كرة القدم العالمية، ومن يحدد مستقبل أهم مسابقة رياضية على وجه الأرض.
إنفانتينو، من جهته، يدافع عن رؤية تقوم على تطوير الموارد المالية لـ«فيفا» وتوسيع إمكانياته الاستثمارية، مع التأكيد على أن الهدف النهائي هو توفير موارد إضافية يمكن أن تستفيد منها الاتحادات الوطنية وتطوير كرة القدم في مختلف أنحاء العالم.
لكن الأوروبيين ينظرون إلى المسألة من زاوية مختلفة. فهم يخشون أن يؤدي إدخال المستثمرين الخاصين إلى تغيير طبيعة العلاقة بين الرياضة والمال، وأن تتحول بعض أهم مسابقات كرة القدم تدريجياً إلى مشاريع تجارية يكون منطق الربح فيها أقوى من الاعتبارات .
فأوروبا ليست مجرد كتلة من الاتحادات الوطنية. إنها تضم منتخبات ذات وزن رياضي وجماهيري واقتصادي هائل، كما تضم الدوريات والأندية التي تشكل جزءاً أساسياً من القوة التجارية لكرة القدم العالمية.
ولهذا فإن تنفيذ تهديد المقاطعة، إذا وصل الطرفان إلى هذه المرحلة، سيكون بمثابة زلزال حقيقي داخل كرة القدم الدولية. كأس العالم من دون عدد كبير من القوى الأوروبية لن يكون مجرد بطولة ناقصة من الناحية الرياضية، بل سيواجه أيضاً تداعيات جماهيرية وإعلامية واقتصادية واسعة.
أما إنفانتينو، فيجد نفسه أمام معادلة صعبة: التراجع قد يُفسر على أنه رضوخ للضغط الأوروبي، والاستمرار في المشروع قد يدفع الأزمة إلى مواجهة مباشرة مع غالبية الاتحادات الأوروبية.
ومن هنا تبدو تصريحات رئيس «فيفا» ومواقفه المقبلة بالغة الأهمية. فالمطلوب منه ليس فقط الدفاع عن مشروع اقتصادي، وإنما إقناع المعارضين بأن الهدف ليس خصخصة كرة القدم أو بيع القرار الرياضي، بل البحث عن موارد جديدة لتطوير اللعبة.
السؤال الحقيقي الآن ليس: هل ستقاطع أوروبا كأس العالم؟
السؤال الأهم هو: هل يستطيع إنفانتينو أن يمنع وصول الخلاف إلى هذه النقطة؟
فكرة المقاطعة، حتى وإن بقيت في إطار التهديد والضغط السياسي، كشفت عن عمق الخلاف بين الطرفين. وأظهرت أن كرة القدم العالمية دخلت مرحلة جديدة، لم يعد فيها الصراع يدور فوق العشب فقط، وإنما أصبح يدور أيضاً حول المال والسلطة .
وبينما يستعد العالم لمشاهدة نجوم الكرة فوق ملاعب المونديال مستقبلا بدأت في الكواليس مباراة أخرى أكثر تعقيداً. مباراة لا تحتاج إلى حكم ولا إلى صافرة، وإنما تحتاج إلى مفاوضات طويلة وقدر كبير من الحكمة.
والرابح في هذه المواجهة لن يكون بالضرورة من يملك المال الأكثر، وإنما من يستطيع الحفاظ على توازن دقيق بين مصالح كرة القدم، وقوة الاتحادات، ونفوذ المستثمرين، ومستقبل اللعبة التي يتابعها الملايين عبر العالم.

