26 ماي 2026

“يوم المغرب” في أمريكا.. عقد من هندسة الدبلوماسية الشعبية وبناء الجسور العابرة للقارات

“يوم المغرب” في أمريكا.. عقد من هندسة الدبلوماسية الشعبية وبناء الجسور العابرة للقارات

 

لم يعد “يوم المغرب” (Morocco Day) مجرد تاريخ عابر في الأجندة الثقافية للجالية المغربية بالولايات المتحدة الأمريكية، بل تحول خلال عقد من الزمن إلى “مشروع دولة” بروح مدنية، وحدث مؤسساتي ورمزي يتمدد جغرافياً من قلب العاصمة واشنطن إلى الإسكندرية، وصولاً إلى لوس أنجلوس وميامي. إنها قصة انتقال الفكرة من مبادرة فردية طموحة إلى منصة دولية مرنة قادرة على صياغة مفهوم جديد للدبلوماسية الثقافية والاقتصادية.

وراء هذا المشروع المتنامي تقف الرؤية الاستراتيجية لمهندس الفكرة، محمد الحجام، الذي لم تكن رحلته مفروشة بالورود. بدأت فكرة “يوم المغرب” في عام 2014، حيث واجهت في بداياتها رياحاً عاتية من الشك والرفض الإداري داخل بعض الأوساط. بالنسبة للحجام، لم يكن غياب الدعم الأولي مجرد عائق، بل كان ضريبة مكلفة من الوقت والموارد، حيث استثمرت شركته الخاصة مئات الآلاف من الدولارات لبناء التصور وتطوير الهوية البصرية والمؤسساتية للمشروع دون ضمانات للنجاح.

يؤمن الحجام اليوم بأن “حتى الرفض كان جزءاً من القيمة النهائية للمشروع”. هذا الرفض هو الذي صهر الفكرة وجعلها أكثر صلابة، محولاً إياها من “مبادرة جالية” إلى نموذج مكتمل الملامح يحظى اليوم باعتراف رسمي (Proclamations) من كبار المسؤولين ورؤساء البلديات الأمريكيين، مما يثبت أن الدبلوماسية الشعبية المستقلة هي القادرة على بناء أطول الجسور عمراً.

لا يمكن فصل نجاح “يوم المغرب” عن المسار الشخصي لمؤسسه. بدأت رحلة محمد الحجام في ظروف قاسية بمدينة نيويورك، مروراً بفترة تحديات كبرى في شبابه، قبل أن يقتحم عالم “الصوت والصورة” (Audio Visual) من أبوابه الضيقة كعامل وسائق، وصولاً إلى احتراف التصوير وإدارة الإنتاج. هذه الخلفية الميدانية هي التي منحت الحجام القدرة على إدارة الفعاليات المعقدة والربط بين المحتوى الإعلامي والرؤية السياسية.

في عام 2014، تُوج هذا المسار بلحظة رمزية فارقة في الثقافة الأمريكية؛ حصول الحجام على “مفتاح مدينة الإسكندرية”. هذا التكريم لا يُمنح إلا لمن ترك أثراً اجتماعياً عميقاً ساهم في بناء جسور الثقة بين المجتمعات، وكان بمثابة صك اعتراف أمريكي بجدوى المشروع وقدرته على التأثير في النسيج المحلي.

بحلول عام 2026، يتأهب “يوم المغرب” لإطلاق نسخته الأكثر طموحاً تحت شعار “هندسة مستقبل ريادة الأعمال”. تنظم الشبكة المغربية الأمريكية (MAN) بالشراكة مع (AVActions) قمة الشركات الصغيرة في 7 يونيو 2026 بمدينة الإسكندرية، فرجينيا.

تمثل هذه القمة منصة استراتيجية تجمع كبار المهنيين ورواد الأعمال لاستكشاف الفرص الاقتصادية الواعدة. وتتركز فعالياتها على ثلاث ركائز:

  • الدبلوماسية الاقتصادية: عبر جلسات “الطريق السريع الرقمي” للاستثمار في الجهات المغربية (مثل زاكورة والداخلة).
  • التواصل المباشر(B2B): لتيسير الحوار بين مجتمعات الأعمال الأمريكية والمغربية والأفريقية.
  • التفاعل السياسي والإعلامي: لرفع الوعي بالأهمية الاستراتيجية لاتفاقية التجارة الحرة بين البلدين.

يحمل عام 2026 رمزية مزدوجة تتجاوز الاحتفال بالعقد الأول لـ “يوم المغرب”؛ إذ يتزامن مع الذكرى الـ 250 للعلاقات المغربية الأمريكية (1777–2026). وباعتبار المغرب أول دولة في العالم تعترف باستقلال الولايات المتحدة، تهدف قمة 2026 إلى تكريم هذا الإرث من خلال:

  • إحياء ذكرى الريادة: تكريم السلطان محمد بن عبد الله ومعاهدة السلام والصداقة لعام 1786 (أطول معاهدة غير منقطعة في تاريخ أمريكا).
  • الاحتفاء بالرموز: تسليط الضوء على المفوضية الأمريكية في طنجة كرمز للصداقة الأبدية.
  • بناء جسر القرن القادم: جعل النسخة العاشرة نموذجاً للتعاون المستقبلي القائم على التكنولوجيا والازدهار المشترك.

يستند مشروع محمد الحجام إلى ركيزتين لا تنفصلان:

  1. الحفاظ على الهوية: خلق مساحة للجالية المغربية، لاسيما الشباب، للبقاء متجذرين في تراثهم الغني مع الاندماج الإيجابي في المجتمع الأمريكي.
  2. الدبلوماسية الرقمية: توظيف الخبرة في الإعلام والاتصالات لبناء “طريق رقمي سريع” يربط واشنطن بالرباط، ويحول العلاقات التاريخية إلى شراكات ملموسة بين الشركات الصغيرة.

إن قصة “يوم المغرب” هي برهان ساطع على أن الاستثمار الطويل في الأفكار المخلصة، حتى لو وُوجه بالرفض في البداية، قادر على التحول إلى واقع يفرض نفسه عالمياً. بين مدينة واشنطن، الإسكندرية، ميامي، ولوس أنجلوس، يظل محمد الحجام والشبكة المغربية الأمريكية ينسجون خيوط مستقبل مشترك، مؤكدين أن الدبلوماسية الشعبية هي الرابط الأقوى بين الأمم، وأن عام 2026 سيكون نقطة انطلاق لقرن جديد من الصداقة والابتكار.