أمن الخليج في العقيدة المغربية: خط أحمر لا يقبل المناورة… وضوح في التوجه الدبلوماسي الرسمي ووفاء معتاد للتحالفات الاستراتيجية التاريخية
بقلم: محمد فجري
كعادتها اصطفت المملكة المغربية الشريفة، إلى جانب حلفائها التقليديين والاستراتيجيين (الولايات المتحدة ودول الخليج)، الإمارات، وقطر، والسعودية، والكويت، والأردن، البحرين… فأياما قليلة على اندلاع الحرب الدائرة هناك بين محوري إيران وأمريكا وإسرائيل، والتي انطلقت بتاريخ 28 فبراير 2026، خرجت الدولة المغربية بموقف لا مجال فيه للبس، والذي يبرز للعالم صفاء السريرة الدائم للمغرب والوضوح في التوجه الدبلوماسي الرسمي، والوفاء المعتاد للحلفاء والإخوة، بإعلانها وبصوت عال لرفض انتهاك السيادة: معتبرة الهجمات الإيرانية عدوانا سافرا”، و”انتهاكا صارخا للسيادة الوطنية” للدول العربية الشقيقة، مؤكدة مساندتها لأي إجراءات تتخذها هذه الدول لحماية أمنها.
إن المغرب بدلوماسيته الأصيلة والثابتة والتي عرف تاريخها عددا من أنجب الدبلوماسيين تذكرهم الكتب كعبد الله بن عائشة الإسم البارز الذي تذكره الحوليات، هذا المغرب لا يستأنس إلى مناطق الظل والراحة، ولا يقف كثيرا في مناطق الرماد أو المناطق الرمادية أو المواقف الحربائية التي تتلون على حسب المصالح وتغيير موازين القوى، بل له علاقات وتحالفات ومواقف راسخة منذ أن كان أول بلد يعترف باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية، أو سواء في علاقاته بإخوانه في الخليج ولطالما كان يعتبر أمن المغرب من أمن الخليج والعكس صحيح، ولم يثبت يوما أن وضع يده في أيدي الدول الراعية لتقسيم وزرع الفتنة وسط العرب أو طعن ظهر إخوانه في الخليج واعتبر علاقاته معهم خاضعة للمزاج والسياقات كما تفعل دول على جواره لا تجيد سوى “دبلوماسية طوابير الحليب والملح”.
لطالما عبر المغرب بوضوح عن موقفه من النظام الملالي في إيران، بالنظر لطموحاته التوسعية وزوايا نظره الضيقة للأمور رغم ادعائه الانتساب زورا للإسلام وهو منه براء، والتاريخ يذكر كيف أن المملكة وعلمائها كفروا رموز هذه الدولة المارقة في عهد المغفور له الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه، بجانب استمرار الدولة المغربية على هذا النهج في عهد جلالة الملك محمد السادس الذي قال في خطاب تاريخي، “إن ملف الصحراء المغربية هو النظارة التي ينظر منها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط الذي يقيس صدق الصداقات ونجاعة الشراكات”، وبالتالي الموقف من إيران التي تعادي المصالح المغربية وتدعم في السر والعلن تنظيم “البوليساريو”، الانفصالي وتضع يدها في يدي دول ترغب في تقسيم المغرب لا يمكن أن يكون اليوم مع وفي صف دولة تقصف دولا مسالمة في الخليج لطالما كانت السند للمملكة في جميع الظروف ودون شروط.
هذا الوضوح المغربي الذي لا يدع مجالا للتأويل جعل المغرب كما ورد في بداية المقال يدين بشكل رسمي الهجمات والتحركات الإيرانية التي وصفتها بالعدائية، مؤكدة تضامنها مع الدول العربية الشقيقة، لا سيما دول الخليج، فتلك الإدانة ليست سوى وفاء واضح أيضا للتحالف الاستراتيجي مع واشنطن: فالرباط حليفة استراتيجية قديمة لواشنطن، وقد تعززت هذه العلاقة بشكل أكبر بعد اعتراف أمريكا بالسيادة المغربية على الصحراء ودعم مقترح الحكم الذاتي، وبمعنى أوضح المغرب يقول للعالم في هذا الملف سواء عبر المكالمات الهاتفية التي أجراها جلالة الملك في هذا الباب أو عبر بلاغات وزارة خارجيته بأنه يصطف رسميا إلى جانب حلفائه التقليديين، دفاعا عن أمنه القومي واستقرار المنطقة، مع التأكيد على رفض التدخلات الإيرانية في شؤونه الداخلية والتطاول على سيادة أشقائه في الخليج العربي.
إن مواقف المغرب اليوم من إيران ومن الحرب الجارية هناك تجيب بوضوح عن ذكاء وحنكة الدبلوماسية المغربية بقيادة جلالة الملك محمد السادس شافاه الله وعافاه وأطال في عمره، حين اتخذت البلاد القرار الحاسم بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الكيان المارق للتذكير سبق للمغرب أن قطع علاقاته مع طهران (آخرها في 2018) بسبب ضلوع الأخيرة في دعم بالسلاح والتدريب والتخطيط لجبهة البوليساريو الانفصالية، وهو ما يشكل تهديدا مباشر للأمن القومي للمملكة المغربية الشريفة.
إن مكانات وحجم وثقل مواقف الدول اليوم يقاس بالوضوح بل وبالوضوح التام وإصدار المواقف الحاسمة التي لا جدل فيها وفي الوقت المناسب في استقلالية تامة وانسجام مع الذات، عوض إصدار بلاغات تحاول الإمساك بجميع الخيوط دون أن تطال واحدا، المغرب اليوم يدعم وبوضح حلفاءه وبصوت عال دون تردد أو خوف، فالموقف الذي يأتي مبكرا وواضحا وصريحا خير من الموقف الذي قد يأتي رماديا أو متأخرا أو قد لا يأتي أو في أحايين كثيرة يحضر مشوبا بكثير من اللبس والتردد والخوف… الدبلوماسية المغربية اختارت عبر التاريخ الوضوح والحسم والوفاء وعدم الطعن في الظهر والسعي للجمع عوض الشتات.




