9 مارس 2026

الدكتورمحمد عدو… مسار أكاديمي بين البحث العلمي وتدبير الجامعة يودعنا إلى دار البقاء

الدكتورمحمد عدو… مسار أكاديمي بين البحث العلمي وتدبير الجامعة يودعنا إلى دار البقاء

كتب: محمد عبدالله غلالي

في مسار الجامعة المغربية، برزت أسماء أكاديمية لعبت أدواراً مهمة في تطوير البحث العلمي وتحديث مؤسسات التعليم العالي. ومن بين هذه الأسماء يبرز الأستاذ الجامعي محمد عدو، الذي ارتبط اسمه بإدارة وتطوير كلية العلوم والتقنيات بطنجة التابعة لـ جامعة عبد المالك السعدي سابقا ، حيث شغل منصب العميد لسنوات وأسهم في تعزيز مكانة المؤسسة داخل المشهد الجامعي المغربي. وقد وافاه الأجل المحثوم صباح يوم الأحد بالمستشفى الجامعي الدولي محمد السادس بالرباط بعد مرض عيال لم ينفع معه علاج .

وُلد محمد عدو بمدينة بركان شرق المغرب سنة 1957، ونشأ في بيئة تعليمية دفعت به نحو الاهتمام بالعلوم الدقيقة. تلقى تعليمه الثانوي بثانوية أبي الخير، قبل أن يلتحق بالجامعة لمتابعة دراساته العليا في الفيزياء والتكنولوجيا.
وخلال مساره العلمي، تخصص في مجال الإلكترونيات والفيزياء التطبيقية، ليحصل سنة 1991 على دكتوراه الدولة في الإلكترونيات الضوئية والإلكترونيات الدقيقة، وهو تخصص علمي دقيق يجمع بين الفيزياء والهندسة الإلكترونية ويستعمل في مجالات متعددة مثل الاتصالات والتكنولوجيا الصناعية.
مسار أكاديمي وبحثي
بعد حصوله على الدكتوراه، انخرط محمد عدو في التدريس الجامعي كباحث وأستاذ للتعليم العالي، حيث ساهم في تكوين أجيال من الطلبة والمهندسين في تخصصات الفيزياء والإلكترونيات.
كما انخرط في البحث العلمي، ونشر عشرات المقالات في مجلات علمية دولية متخصصة في مجالات الفيزياء التطبيقية والتكنولوجيا، إضافة إلى مشاركته في مؤتمرات وندوات علمية داخل المغرب وخارجه.
وقد عُرف داخل الوسط الأكاديمي باهتمامه بربط البحث العلمي بالتطبيقات الصناعية، وهو توجه أصبح يحظى بأهمية متزايدة في السياسات الجامعية المعاصرة.
مسؤوليات جامعية متعددة
لم يقتصر مسار محمد عدو على التدريس والبحث العلمي، بل امتد أيضاً إلى مجال تدبير المؤسسات الجامعية. فقد تقلد عدداً من المسؤوليات الإدارية، من بينها منصب نائب عميد بكلية العلوم، كما شغل منصب نائب رئيس الجامعة، قبل أن يتولى سنة 2013 منصب عميد كلية العلوم والتقنيات بطنجة.
وقد جُددت الثقة فيه لاحقاً لولاية ثانية، في خطوة عكست تقديراً لمساره الإداري والأكاديمي داخل الجامعة.
تطوير كلية العلوم والتقنيات بطنجة
خلال فترة عمادته، عمل محمد عدو على تطوير الكلية وتحديث برامجها العلمية، خصوصاً في ظل التحولات الاقتصادية والصناعية التي تعرفها جهة طنجة – تطوان – الحسيمة.
وشهدت الكلية في تلك الفترة إطلاق تخصصات جديدة مرتبطة بحاجيات الاقتصاد الوطني، من بينها:
الهندسة الصناعية
الطاقات المتجددة
الهندسة الإلكترونية
هندسة العمليات الصناعية
التكنولوجيات الرقمية ومعالجة البيانات.
كما تم تعزيز البحث العلمي داخل المؤسسة عبر دعم المختبرات العلمية وتشجيع الباحثين الشباب على المشاركة في مشاريع علمية وطنية ودولية.
البحث العلمي والتنمية الجهوية
أحد أبرز التوجهات التي عمل عليها محمد عدو خلال عمادته هو ربط الجامعة بمحيطها الاقتصادي والصناعي. فقد ساهمت الكلية في اقتراح وإطلاق مشاريع علمية تهدف إلى دعم التنمية الجهوية في شمال المغرب.
ومن بين هذه المشاريع:
تطوير مواد بناء صديقة للبيئة اعتماداً على النفايات الصناعية
مشاريع بحث في المجال الطبي مثل توصيف الأمراض والسرطان
برامج لتثمين الموارد الطبيعية
مبادرات لتطوير الصناعات الغذائية والزراعية.
وقد ساعدت هذه المشاريع على تعزيز حضور الجامعة كشريك علمي في التنمية الاقتصادية.
الانفتاح على التعاون الدولي
شهدت كلية العلوم والتقنيات بطنجة خلال هذه الفترة توسعاً في علاقاتها الدولية، حيث تم توقيع اتفاقيات تعاون مع جامعات ومراكز بحث أجنبية في مجالات متعددة، من بينها التكنولوجيا الصناعية وعلوم البيئة.
كما شارك باحثو الكلية في برامج بحثية ممولة من مؤسسات دولية، وهو ما ساهم في تعزيز حضور الجامعة المغربية في الشبكات العلمية العالمية.
نموذج للأستاذ الجامعي الباحث
يُنظر إلى محمد عدو داخل الوسط الجامعي باعتباره نموذجاً للأستاذ الباحث الذي جمع بين التدريس والبحث العلمي والتدبير الإداري. فقد ساهم في تكوين عدد كبير من الباحثين والمهندسين، وفي الوقت نفسه عمل على تطوير مؤسسة جامعية أصبحت اليوم من أهم مؤسسات التكوين العلمي في شمال المغرب.
وفي ظل التحولات التي يعرفها قطاع التعليم العالي، يبقى هذا النوع من المسارات الأكاديمية دليلاً على الدور المحوري الذي يمكن أن يلعبه الأستاذ الجامعي في تطوير المعرفة وربطها بحاجيات المجتمع والاقتصاد.
وهكذا تظل تجربة محمد عدو واحدة من التجارب الأكاديمية التي تعكس مسار الجامعة المغربية وهي تسعى إلى التحديث والانفتاح على محيطها العلمي والاقتصادي.
رحم الله الدكتور محمد عدو رحمة واسعة ورزق ذويه الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون