22 يناير 2026

المحكمة الدستورية تحسم الجدل وتنتصر لصوت الحكمة وتسقط موادا من قانون تنظيم “مجلس الصحافة”

المحكمة الدستورية تحسم الجدل وتنتصر لصوت الحكمة وتسقط موادا من قانون تنظيم “مجلس الصحافة”

 

 

حسمت المحكمة الدستورية في الطعن المقدم من 96 عضوا بمجلس النواب بشأن دستورية القانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، وقضت بعدم دستورية عدد من مواده، مقابل تأكيد مطابقة مواد أخرى للدستور، مع ترتيب آثار قانونية مباشرة على النص برمته.

وتعود تفاصيل الملف المعروض على المحكمة الدستورية إلى رسالة إحالة سجلت بالأمانة العامة للمحكمة في 7 يناير 2026، طالب فيها 96 نائبا برلمانيا، استنادا إلى الفصل 132 من الدستور، بالبت في مطابقة تسع مواد من القانون المذكور للدستور، قبل إصدار الأمر بتنفيذه. واعتبرت المحكمة أن الإحالة مستوفية للشروط الشكلية، لكونها صادرة عن العدد الدستوري المطلوب ومنجزة داخل الأجل القانوني.

وعلى مستوى المسطرة التشريعية، أكدت المحكمة في قرارها الصادر اليوم الخميس، أن مشروع القانون مر بجميع المراحل الدستورية المنصوص عليها، إذ تداول فيه مجلس الحكومة في 3 يوليوز 2025، وأودع بمجلس النواب في 7 يوليوز، وصادق عليه هذا الأخير بعد تعديله في 22 يوليوز، قبل أن يحال على مجلس المستشارين الذي صادق عليه دون تعديل في 24 دجنبر 2025، وفقا للفصلين 83 و84 من الدستور.

ركزت الإحالة البرلمانية على الطعن في المواد 5 و9 و10 و13 و23 و44 و45 و55 و93، بدعوى مخالفتها لمقتضيات دستورية، خاصة الفصول 6 و28 و118 و120، المرتبطة بمبدأ المساواة، والتنظيم الذاتي للصحافة، وضمانات المحاكمة العادلة، والفصل بين السلط.

في هذا السياق، اعتبرت المحكمة أن البند (ب) من المادة الخامسة مخالف للدستور، بعدما تبين لها أن التركيبة العددية للمجلس الوطني للصحافة تخل بقاعدة التساوي والتوازن بين فئتي الصحافيين المهنيين والناشرين. فالقانون منح فئة الناشرين تسعة أعضاء، مقابل سبعة فقط للصحافيين المنتخبين، دون مبرر موضوعي، وهو ما يتعارض مع الأسس الديمقراطية لتنظيم قطاع الصحافة كما ينص عليها الفصل 28 من الدستور.

وبالاستناد إلى العلة نفسها، صرحت المحكمة بعدم دستورية الفقرة الأخيرة من المادة الرابعة، التي أسندت حصريا لعضوين من “الناشرين الحكماء” مهمة الإشراف على إعداد التقرير السنوي للمجلس، معتبرة أن ذلك يقصي ممثلي الصحافيين ويخل بمبدأ التوازن داخل هيئة التنظيم الذاتي.

كما قضت المحكمة بعدم دستورية المادة 49، التي تخول المنظمة المهنية الحاصلة على أكبر عدد من الحصص التمثيلية الاستحواذ على جميع المقاعد المخصصة لفئة الناشرين، معتبرة أن هذا المقتضى يناقض مبدأ التعددية المنصوص عليه في الفصل الثامن من الدستور، ويفضي إلى احتكار التمثيل من طرف منظمة واحدة، بشكل يتعارض مع الأسس الديمقراطية لتنظيم القطاع.

ومن بين أبرز مقتضيات القرار، التصريح بعدم دستورية المادة 93، التي تدرج رئيس لجنة أخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية ضمن تشكيلة لجنة الاستئناف التأديبية. واعتبرت المحكمة أن هذا الجمع يمس بمبدأ الحياد والاستقلال، لكون العضو نفسه يشارك في اتخاذ القرار ابتدائيا ثم يساهم في البت في استئنافه، وهو ما يتعارض مع ضمانات المحاكمة العادلة المستخلصة من الفصول 23 و118 و120 من الدستور.

وأثارت المحكمة تلقائيا أيضا الفقرة الأولى من المادة 57، التي تشترط ألا يكون رئيس المجلس ونائبه من نفس الجنس، معتبرة أن هذا الالتزام قد يتعذر تطبيقه عمليا في غياب مقتضيات قانونية تضمن تمثيل الجنسين داخل كل فئة مهنية، مما يخل بمبدأ الانسجام والتناسق بين مواد القانون الواحد.

في المقابل، أكدت المحكمة دستورية عدد من المواد المطعون فيها، من بينها المواد 9 و10 و13 و23 و44 و45 و55. واعتبرت، على سبيل المثال، أن تحديد الجرائم التي تفضي إلى العزل من عضوية المجلس يندرج ضمن السلطة التقديرية للمشرع، ولا يخل بمبدأ المساواة أو الشرعية، ما دام يعتمد معايير موضوعية مرتبطة بالنزاهة والثقة العامة.

كما رأت أن مقتضيات الاطلاع على ملفات العزل وضمان حق الدفاع، كما وردت في المواد 10 و11، لا تمس بضمانات المحاكمة العادلة، وأن إبداء المجلس لرأيه في مشاريع القوانين المتعلقة بالقطاع لا يشكل مساسا باختصاص البرلمان أو بمبدأ فصل السلط.

وبناء على ما سبق، قضت المحكمة الدستورية بعدم دستورية المواد 4 (الفقرة الأخيرة) و5 (البند ب) و49 و57 (الفقرة الأولى) و93، مقابل التصريح بعدم وجود ما يخالف الدستور في باقي المواد المفحوصة. كما أمرت بتبليغ قرارها إلى رئيس الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان، ونشره في الجريدة الرسمية.