الرباط وعمّان تؤسسان لشراكة حضرية استراتيجية في أفق تنمية مستدامة مشتركة
توقيع اتفاقية توأمة يؤسس لمرحلة جديدة من التعاون الحضري المستدام بين العاصمتين.

تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، تشهد مدينة الرباط دينامية تنموية غير مسبوقة جعلتها نموذجاً حضرياً متكاملاً يجمع بين الأصالة والحداثة، ويؤسس لمرحلة جديدة من الإشعاع الثقافي والاقتصادي والدبلوماسي للمملكة.
وفي انسجام تام مع التوجيهات الملكية السامية التي تجعل من التنمية المستدامة والعدالة المجالية والارتقاء بجودة الخدمات العمومية أولويات استراتيجية، تواصل جماعة الرباط تنزيل إصلاحات هيكلية عميقة في مجالات الحكامة المحلية، وتحديث تدبير المرافق الجماعية، وتسريع التحول الرقمي، وتعزيز الاقتصاد الأخضر والدائري، بما يكرّس مكانة العاصمة كمدينة ذكية ومستدامة وقادرة على بناء شراكات دولية فاعلة قائمة على تبادل الخبرات والابتكار الحضري.


وفي هذا الإطار، قامت السيدة فتيحة المودني، رئيسة مجلس جماعة الرباط، بزيارة رسمية إلى العاصمة الأردنية عمّان خلال الفترة الممتدة من 11 إلى 14 فبراير 2026، على رأس وفد وازن ضم كلاً من السيد عزيز لميني، نائب الرئيسة وعضو مجلس النواب، والسيد هشام أقمحي، نائب الرئيسة، والسيدة رحمة وزاني طيبي، نائبة الرئيسة، إلى جانب السيدة حيات السامي، رئيسة قسم التعاون اللامركزي والشراكات.
كما استهلت السيدة فتيحة المودني برنامج زيارتها الرسمية إلى عمّان بزيارة المتحف الوطني الأردني للفن الحديث والمعاصر، حيث اطلعت على التجربة الأردنية في تثمين الإبداع الثقافي وصون التراث الفني المعاصر، في أفق تعزيز التعاون الثقافي بين العاصمتين. ً
كما قامت بزيارة إلى منطقة “مثلث الزهور”، باعتبارها فضا ًء حضريا يعكس العناية بجمالية المدينة والفضاءات الخضراء، وهو ما يشكل أحد محاور التقارب بين الرباط وع ّمان في مجال تجويد الفضاءات العمومية وتعزيز البعد البيئي والجمالي في التخطيط الحضري.
وشمل البرنامج كذلك زيارة مركز “زها” الثقافي والاجتماعي، حيث اطلع الوفد المغربي على البرامج الموجهة للأطفال والشباب في مجالات التمكين الثقافي والاجتماعي وتنمية المهارات، بما يعزز البعد الإنساني للشراكة ويؤكد أن التعاون بين العاصمتين لا يقتصر على البنيات التحتية، بل يمتد إلى الاستثمار في الرأسمال البشري وتعزيز التنمية المجتمعية المستدامة.

وقد توجت هذه الزيارة بتوقيع اتفاقية توأمة وتعاون استراتيجي بين جماعة الرباط وأمانة عمّان الكبرى، وقعها عن الجانب الأردني معالي الدكتور يوسف الشواربة، وعن الجانب المغربي السيدة فتيحة المودني، بحضور سعادة سفير المملكة المغربية لدى المملكة الأردنية الهاشمية السيد فؤاد أخريف.
وتهدف الاتفاقية إلى إرساء إطار قانوني للتعاون الاستراتيجي بين العاصمتين، بما يعزز تبادل الخبرات في مجالات التخطيط العمراني، وتطوير البنية التحتية المستدامة، والتحول الرقمي والمدن الذكية، والنجاعة الطاقية والطاقات

المتجددة، وحماية البيئة، وإدارة النفايات، والنقل الحضري المستدام، إضافة إلى حماية التراث الثقافي وتنظيم أنشطة ثقافية وشبابية مشتركة، وتعزيز الحكامة المحلية.
وتجدر الإشارة إلى أن توقيع اتفاقية التوأمة لم يكن مجرد خطوة بروتوكولية، بل تزامن مع حضور وفد مغربي تقني كان يباشر على أرض الواقع دراسة معمقة لنقاط الالتقاء والتكامل بين المدينتين، من خلال لقاءات عمل وجولات ميدانية متخصصة.
وقد جرى الاشتغال، بشكل متوازٍ مع مراسم التوقيع، على تحديد مجالات التعاون ذات الأولوية وفق رؤية استراتيجية واضحة، بما يجعل الاتفاقية إطاراً عملياً قابلاً للتفعيل الفوري.
ويجري حالياً إعداد برنامج عمل مشترك يخضع لمسار المصادقة النهائية، يهدف إلى تنزيل مضامين الاتفاقية في مشاريع عملية ومبادرات ملموسة تعود بالنفع المباشر على المواطنين في الرباط و عمّان.
ويكتسي هذا المسار طابعاً غير مسبوق، باعتباره أول تعاون من هذا المستوى يتم إرساؤه وفق مقاربة تخطيط استراتيجي مشترك، يضع التنمية الحضرية المستدامة وجودة الخدمات العمومية في صلب أولوياته.

وشمل برنامج الزيارة سلسلة من اللقاءات والزيارات الميدانية والتقنية، حيث قام الوفد بزيارة سوق الخضار المركزي للاطلاع على آليات التنظيم والمراقبة الصحية وتتبع جودة المنتجات، كما زار المسلخ الجهوي للحوم للتعرف على معايير السلامة الصحية وأنظمة المراقبة البيطرية وتدبير الأثر البيئي.

كما قام الوفد بزيارة شركة “رؤية عمّان” لمعالجة النفايات، حيث اطلع على تقنيات الفرز وإعادة التدوير وتثمين النفايات في إطار مقاربة الاقتصاد الدائري، إضافة إلى زيارة محطة الباص السريع “BRT”، التي تمثل نموذجاً متقدماً للنقل الحضري المستدام، والاطلاع على انعكاساته الإيجابية في تحسين جودة التنقل وتخفيف الازدحام.
وبالمناسبة، استعرض الوفد المغربي تجربة مدينة الرباط في تحديث منظومة تدبير النظافة، وإصلاح أسواق الجملة والمجازر وفق معايير حديثة في الحكامة والتدبير المفوض، وتأهيل البنيات التحتية، واعتماد أنظمة رقمية للتتبع، بما ينسجم مع الرؤية الاستراتيجية لجلالة الملك الرامية إلى ترسيخ أسس التنمية المستدامة والاقتصاد الأخضر والدائري.
وتجسد هذه الزيارة وتوقيع اتفاقية التوأمة الإرادة المشتركة للجانبين في الانتقال من التعاون الرمزي إلى شراكة عملية وميدانية، تعزز جودة الخدمات الحضرية وتدعم التنمية المستدامة، وتعكس في الآن ذاته متانة العلاقات الأخوية المتميزة بين المملكة المغربية والمملكة الأردنية الهاشمية، تحت الرعاية السامية لقائدي البلدين الشقيقين.
وتؤكد هذه المبادرة أن المدن لم تعد فاعلاً محلياً محضاً، بل أصبحت رافعة استراتيجية للدبلوماسية الموازية وصناعة التأثير الناعم. فالرباط، كعاصمة سياسية وثقافية للمملكة، تعزز اليوم حضورها الإقليمي والدولي عبر شراكات حضرية قائمة على تبادل المعرفة، والاستثمار في التنمية المستدامة، وبناء نماذج تعاون جنوب–جنوب وعربي–عربي متجدد.
إن اتفاقية التوأمة بين الرباط وعمّان ليست مجرد إطار تعاون تقني، بل تعبير عن رؤية حضرية مشتركة تجعل من المدينة منصة للابتكار، ومن التنمية المستدامة أداة لتعزيز المكانة الدولية، في انسجام تام مع التوجيهات الملكية السامية التي تجعل من إشعاع المغرب ركيزة ثابتة في سياسته الخارجية.






