8 ماي 2024

جدلية الحوار بين الأغلبية و المعارضة بشأن الحصيلة الحكومية

جدلية الحوار بين الأغلبية و المعارضة بشأن الحصيلة الحكومية

الدكتور محمد حنين
محام بهيئة الرباط
لا شك أن مبادرة السيد رئيس الحكومة الى تقديم الحصيلة المرحلية تثبت حرصه على الالتزام بالدستور قبل أن تكون تقليدا سياسيا ، سيما أنها تتيح للبرلمان و من خلاله الرأي العام الإطلاع على منجزات الحكومة خلال سنتين و نصف من ولايتها و تقييم هذه الحصيلة في ارتباط مع الالتزامات التعاقدية في إطار البرنامج الحكومي ، غير أن المتتبع للنقاش العمومي حول هذا الموضوع يلاحظ تباين مخرجات الحوار بين الأغلبية و المعارضة . و لئن كان من الطبيعي اختلاف وجهات النظر حول تدبير الشأن العام و نتائجه حسب تموقع كل طرف، فإن هذا الاختلاف يفقد معناه عندما يفتقر الحوار الى أبسط معايير الموضوعية و ينهل من شعبوية متهالكة أو أنا زائدة أو غرور مفرط أو نزعة انتقامية.
و هكذا ، يتجاذب الحوار حول الحصيلة الحكومية رأي مساند و متطلع الى تطوير الأداء أكثر لضمان ديمومة الإصلاحات والرفع من مردودية المنجزات اقتصاديا و اجتماعيا ، و هو رأي يستند الى المنجزات بمؤشراتها المفصلة و معطياتها المرقمة ، أما اقتراحاته فتنبع من التطلع الى الارتقاء بجودة الأداء و ضمان مستقبل أحسن ، أما الرأي الثاني فهو معارض و يتقاسمه ثياران ، الأول يتسم بضعف حججه أمام أهمية المنجز الحكومي و ذهول أصحابه من إثبات الحكومة لقدرتها على إنجاز إصلاحات جدرية غير مسبوقة ، في حين يقود الثيار الثاني رئيس الحكومة السابق معتقدا أنه يعارض الحصيلة الحكومية من خلال اقتصاره على انتقاد شخص رئيس الحكومة بخطاب شعبوي مليئ بالمغالطات و الاتهامات تارة و التحريض تارة أخرى ، و هو ما يبتعد كثيرا عن الضوابط المتعارف عليها لممارسة المعارضة ، بل إن هذا الخطاب يعبر عن معاناة صاحبه من فقدانه للسلطة و رغبته في الانتقام مما يجعله خطابا يبعث على الشفقة و السخرية معا لما يتسم به من بؤس و شخصنة للصراع .
و بين الرأي المساند للحصيلة الحكومية و رأي المعارضة لها ظهر رأي ثالث محايد يعبر عنه الباحثون و الأكاديميون و المنابر الإعلامية المستقلة ، و هو رأي يعزز التراكم النظري حول منهجية تدبير الشأن العام في أبعاده الدستورية و السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية ، و يبقى في مجمله مفيدا لما يحمله تارة من انتقادات بناءة و تارة أخرى لما يقدمه من اقتراحات إيجابية للارتقاء بالأداء الحكومي و الرفع من مردوديته.
و الحقيقة أنه من المؤسف أن تتحول مناقشة الحصيلة الحكومية و هي لحظة دستورية بامتياز الى مناسبة لتصريف خطاب شعبوي بئيس مدمر للممارسة الديمقراطية أو ترويج خطاب معارض سطحي يفتقر الى عمق التحليل و العجز عن تقديم اقتراحات بديلة ، مما يثبت تصدع مكونات المعارضة و ضعفها في ممارسة الرقابة على العمل الحكومي مقابل انسجام و قوة الأغلبية الحكومية . و الواقع أن الممارسة الديمقراطية ببلادنا كما هي في حاجة الى أغلبية برلمانية متماسكة تستجيب لتطلعات المواطنين و المواطنات وانتظاراتهم ، فهي في حاجة كذلك لمعارضة بناءة و ملتزمة للترافع و الدفاع عن القضايا المشروعة للمجتمع بما يكفل التجاوب مع تطلعات دستور 2011 من خلال دسترته لحقوق المعارضة.
و إذا كان كل تحليل موضوعي للحصيلة الحكومية لا يمكنه سوى الاعتراف بأن هذه الحصيلة تدافع عن نفسها و ليست في حاجة الى من يدافع عنها ، فإن هذه الحصيلة تثبت إعادة الاعتبار الى مؤسسة رئاسة الحكومة باعتبارها مؤسسة دستورية أصبحت نشيطة و متفاعلة و متتبعة لمختلف الملفات و القضايا بملابساتها و إشكالاتها و أرقامها ، كما أن الحكومة تكون بهذه الحصيلة قد رفعت السقف عاليا ليس فقط مقارنة مع أداء الحكومات السابقة و لكن حتى بالنسبة لأدائها خلال الفترة المتبقية من ولايتها إذ لن تقبل منها حصيلة أقل من حصيلة منتصف الولاية و هو تحدي أمامها تتطلب مواجهته الاستمرار في تعبئة الجهود و ابتكار الأفكار و الحلول من أجل الاشتغال على أولويات جديدة كفيلة بضمان استكمال توطيد الدولة الاجتماعية و تصحيح الاختلالات المسجلة على إثر تنزيل الاوراش و البرامج .
و لكل من يشكك في موضوعية هذا الاستنتاج ، أن يطلع على التقرير رقم 099 / 2024 الصادر عن صندوق النقد الدولي في مستهل هذا الشهر، و هو تقرير أكد أن الاقتصاد المغربي لازال يتمتع بالصلابة في مواجهة الصدمات السلبية لسنة 2023 مع تسارع النشاط الاقتصادي و تباطؤ التضخم و تقلص عجز الحساب الجاري رغم هبوب الرياح المعاكسة المرتبطة بنذرة المياه و زلزال شتنبر و التحديات التي تفرضها الأوضاع الخارجية ، و ذلك بفضل العمل المتواصل على تنفيذ خطة الإصلاحات الهيكلية مع التوصية بمواصلة الإصلاحات لتحسين الآفاق من أجل نمو أكبر و أكثر احتواء للجميع .
فهذه شهادة لمؤسسة مالية دولية مستقلة لا تحابي أي دولة أو بلد ، و لئن كانت شهادته المذكورة ليست في حد ذاتها منشئة لصلابة الاقتصاد الوطني و تعافي المالية العمومية ، فإنها تعتبر حجة لتعزيز شرعية المنجز الحكومي ، في مواجهة المتشككين و المروجين لخطاب التفاهة و اليأس عوض الاعتراف بالمنجزات و الاعتزاز بالمكتسبات و الترافع على تدارك الخصاص بجدية و موضوعية ، و هم بذلك يستعملون معول الهدم غير مبالين بمصلحة البلاد و آفاق استقرارها و تقدمها. صحيح أن نجاح الحكومة في تدبير عدد من الإصلاحات و معالجة مختلف القضايا الاجتماعية العالقة من خلال مأسستها للحوار الاجتماعي جعل البعض غير قادر على استيعاب ما تحقق و أصيب بالذهول و الاستغراب و دفعته الصدمة النفسية الى الهذيان و إطلاق الكلام على عواهنه كما هو الشأن بالنسبة لوصف الاتفاق بين المركزيات النقابية و الحكومة برشوة الموظفين و المأجورين ؟ إنه استهتار و تبخيس للمؤسسات و احتقارلكرامة الموظفين و المأجورين على السواء ، فمثل هذا الخطاب المضطرب و المستفز لا يقنع أحدا و لا يسئ للحكومة بقدر ما يسيئ للممارسة الديمقراطية و هو ما يعيد طرح السؤال ليس فقط حول مصداقية الخطاب الحزبي بل حول أخلاقيات الحياة السياسية و البرلمانية برمتها ؟.