29 ماي 2024

تنظيف الأحزاب من أين نبدأ؟!

تنظيف الأحزاب من أين نبدأ؟!

أيوب مشموم

قال وزير الخارجية الامريكي السابق “هنري كسنجر” تسعون في المئة من السياسيين يعطون للعشرة الباقية منهم السمعة السيئة، و ذهب “لي كوان يو” الرئيس السابق لسنغافورة في قول حول الفساد، أن تنظيف الفساد مثل تنظيف الدرج يبدأ من الأعلى نزولاً للأسفل، و في الحقيقة اذا ما إنزوينا الى المثل و الحكم و العبر و الأقوال المأثورة، قد تسعف و قد لا تسعف لسببين رئيسيين، أن وجهة النظر تختلف بإختلاف زاوية الرؤيا فكثيرا ما يرى الناس في الآخر ما قد يغيب عنهم عند أول مرآة و هاته مصيبتنا الأولى، و السبب الثاني بسيط جدا هو أن الفاسدون لا يقرؤون و بالتالي هم مشغولون في فسادهم و لا وقت لهم لمثل هاته التراهات على الأقل كما يرونها و يصفونها.

يجب أن لا ننسى ها هنا دعوة جلالة الملك و هو أعلى سلطة بالبلد إلى تخليق الحياة البرلمانية من خلال إقرار مدونة للأخلاقيات في المؤسسة التشريعية بمجلسيها تكون ذات طابع قانوني ملزم، وتحقيق الانسجام بين ممارسة الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التشاركية، فضلا عن العمل على الرفع من جودة النخب البرلمانية والمنتخبة، وتعزيز ولوج النساء والشباب بشكل أكبر إلى المؤسسات التمثيلية.

هاته الإشارة الدالة لا بد من إثارتها من المنظور الذاتي أولا للأحزاب السياسية بالمغرب، و هي المعنية أولا و أخيرا بهاته القوانين، فلا معنى لتخليق العمل البرلماني بقوانين، و الروافد التي تغدي هذا البرلمان أي الأحزاب غارقة بنخب مشبوهة و فاسدة أخلاقيا و سياسيا، فإذا فسد الجدول فسد النهر، و إذا فسد المشتل فسد الشجر.

يذهب الكثيرون ممن يركنون في زواية التنظير و التحليل برمي الأحزاب بكل العلل و المصائب، و هم في الحقيقة لم يأتوا بالضالة الفكرية و لا مرابط الفرس، و إنما هي سمة الفقير فكرا و علما، و سمة المغلوب على أمره و الكسول الذي قرأ واجهة الكتاب و لم ينغمس في أوراقها، و هو خطاب يروم دفن المريض حتى قبل تشخيص علله و محاولة علاجه.

على طول التاريخ العمل الحزبي ظلت الاحزاب السياسية تقاوم لوحدها جحافل المتربصين بالعمل الحزبي، و المتربصين بسمعة المناضل و جرأته و حريته، و أعتقد بأن العمل الحزبي عانى اساسا من شيئين رئيسين اولهما ذاتي و ثانهما خارجي،
فكان أول ما كان الصراعات البينية و أساسا الإختلافات الايدلوجية و الانقسامات الفكرية، و بين من إعتبرها حسنة من حسنات التي أتت أيام الزمن الجميل، غير أنها مضت في إتجاه غير الذي كان يجب أن تمضي إليه، بالنظر الى حجم الانقسامات و بالنظر كذلك الى فتوة العمل الحزبي و بداية التدفعات الأولى و سقطات الطفل الرخو الذي لم ينضج بنانه، الأمر الذي جعل من الصعب تدبير تلك الإختلافات بما يسهم بالدفع بالعمل الحزبي الى ما يسهم في بناء دولة الحق و القانون و دولة الرقي و الإزدهار.

و تمثل الفعل الخارجي بمحاربة العمل الحزبي من خارج هاته الاحزاب و أساسا من الدولة نفسها، التي كانت تصارع الأحزاب الحقيقية المنبثقة عن المجتمع من أجل تملك السلطة و تملك مخرجات العملية السياسية برمتها، بدون إغفال العمليات القيصرية و المشوهة التي أجرتها الدولة بصناعة أحزاب أفقدت العمل الحزبي بريقه و أفقدت التدرج و الولادة الطبيعية و العادية للفعل السياسي و الفعل النضالي، و كانت هاته السياسة قاتلة للفعل النضالي و لجودة المناضل و التدرج الحزبي، و قاتلة لكل إجتهاذ ذاتي منبثق من المجتمع نفسه لاصلاح أعطابه.

لهذا من الجيد الغوص في التاريخ و دراسة الحالة الحزبية المغربية لتشريح الواقع، و لمعرفة الأسباب و المسببات و إيجاد العلاجات و الحلول، هذا إن كنا نؤمن بأن لا ديمقراطية بدون أحزاب كما أن لا أحزاب بدون مجتمع حي.

و أعتقد بأن على الجميع تحمل مسؤولياته اتجاه العمل الحزب، بداية من المناضل نفسه و من المجتمع كذلك، و يجب القطع مع الهجمات المتكرر و المسترسلة خصوصا الاعلامية التي تتلذذ في ضرب مصادقية الفعل السياسي و الفعل النضالي و الحزبي، و بالتالي ابعاد المجتمع عن مسلكه الطبيعي و دربه العادي في الفعل السياسي، و خلق ذلك البون بين الفرد و النضال، الأمر الذي يسهل تجارة المتربصين من الظلاميين و أعداء الدولة، و المتربصون بتراص الصفوف و حاملين لدعاوى تكفير الدولة و مؤسساتها أكان تكفيرا من منطلق ديني أو من منطلق أيديولوجي غارق في الانهزامية و السوداوية و التشدد.

ديدن و منطلق هذا الانتقال الثاني من التجديد الحزبي، يجب ان يستغل بشراهة و قوة الإرادة العليا للوطن و المتجسدة في إرادة الملك أولا و حاجة المتجمع ثانيا في تنقية العمل السياسي من شوائبه، ولابد من الإلتفاف جميعا حول أولئك الموجودين في الصفوف الأولى في هاته المعركة و أساسا الانقياء من داخل الأحزاب الذين يصارعون بلا هوادة لجعل العمل الحزبي بتلك الرمزية و تلكم الطهارة.

أيوب مشموم