2 ماي 2026

المذكرة 31/26 ومقصلة يونيو: حين يغتال “منطق المراقبة” خصوصية الطفولة

المذكرة 31/26 ومقصلة يونيو: حين يغتال “منطق المراقبة” خصوصية الطفولة

 

تطرح المذكرة الوزارية رقم 31/26، المتعلقة بتنظيم الامتحانات الإشهادية، إشكالات عميقة، فيما يخص امتحان نيل شهادة الدروس الابتدائية ، إشكالات تتجاوز الجانب التنظيمي لتلامس جوهر الفعل التربوي. فبإقرارها نقل مراكز الامتحان إلى الثانويات الإعدادية وإسناد الحراسة لأطر التعليم الثانوي، كشفت الوزارة عن توجه مقلق يتمثل في تغليب منطق المراقبة على منطق المواكبة، مما وضع “الضبط الإداري” في مواجهة مباشرة مع “الاستقرار النفسي” للطفل.

ذلك أن مبررات النزاهة وتكافؤ الفرص التي روجت لها المذكرة، تخفي في عمقها انزياحاً نحو صرامة إجرائية جافة. فتلميذ الابتدائي، الذي لا يزال في طور بناء توازنه العاطفي، يجد نفسه مقتلَعاً من بيئته المدرسية المألوفة ليُلقى به في إعداديات تتسم بالرهبة الرمزية. هذا الاختيار يعكس بوضوح تغليب منطق المراقبة الصارم، حيث يُنظر للتلميذ كـ “موضوع للضبط” وليس كطفل يحتاج إلى رعاية، مما يحول الامتحان من “امتداد للتعلم” إلى وضعية اغتراب صادمة نفسياً.

و يزيد التوقيت المبرمج للامتحان في الأسبوع الأخير من شهر يونيو من قسوة التجربة. ففي ظل الارتفاع الحاد في درجات الحرارة، يجد المتعلم الصغير نفسه مطالباً بالتركيز الذهني وسط ظروف مناخية مجهدة. فغياب شروط الراحة الحرارية في مراكز الامتحان يحول الاختبار إلى معركة صمود جسدي، مما يؤثر مباشرة على المردودية المعرفية ويستنزف طاقة أطفال لم تكتمل بنيتهم لمواجهة هذا الإجهاد، في غياب تام لآليات المواكبة التي تراعي هذه الظروف الاستثنائية.

كما أن امتحان الابتدائي يأتي كآخر حلقة في سلسلة الامتحانات الإشهادية، بعد فراغ المؤسسات من امتحانات الباكالوريا والإعدادي. هذا التموقع الزمني يضع الطفل في مأزق نفسي؛ فهو يرى أقرانه قد ولجوا فعلياً في أجواء العطلة، بينما يظل هو مطالباً بالاستنفار الدراسي. هذا “التفاوت الإيقاعي” يولد شعوراً بالملل وتشتتاً في التركيز، مما يجعل التلميذ يُقبل على الامتحان بجاهزية نفسية منهارة، في وقت غاب فيه منطق المواكبة الذي كان يقتضي برمجة تراعي إيقاع الطفل النفسي والزمني.

تتجلى ثغرات المذكرة بوضوح في “الزمن الميت” بين المواد. فداخل فضاءات الإعداديات الشاسعة، يفتقد تلميذ الابتدائي للاستقلالية الكافية لتدبير ذاته. إن غياب تصور واضح لتأطير هؤلاء الأطفال خارج القاعات يضعهم في حالة من التيه تحت شمس يونيو الحارقة، مما يعرضهم لمخاطر جسدية ونفسية. هنا يتحول الامتحان إلى تجربة مُرهقة تستوجب حماية نفسية وجسدية، وهو ما يتم التغاضي عنه لحساب “إنجاح الإجراء الإداري” فقط.

ما تكرسه المذكرة في صيغتها الحالية هو نوع من القطيعة بين التقويم كفعل تربوي إنساني، والتقويم كفعل إجرائي محض. و عليه فالنتائج المحصل عليها في ظل هذه الأجواء (حرارة مفرطة، بيئة غريبة، إرهاق نهاية الموسم) لا يمكن اعتبارها مؤشراً دقيقاً على مستوى التعلمات، بقدر ما تعكس قدرة التلميذ على “المقاومة النفسية” في مواجهة وضعية ضاغطة تفتقر لأدنى شروط الدعم.

أمام هذا الوضع، تصبح مراجعة المذكرة ضرورة مستعجلة من منطلق تربوي وإنساني يضع مصلحة الطفل في الصلب.

إن المطلوب هو:

* إعادة الاعتبار لفضاء المدرسة الابتدائية كمجال طبيعي وآمن للتقويم.

* إحداث توازن حقيقي بين ضرورة النزاهة (المراقبة) وحق الطفل في الدعم والاطمئنان (المواكبة).

* توفير شروط رعاية حقيقية تشمل مراعاة الظروف المناخية وتأطيراً متخصصاً للفترات البينية يحمي الأطفال من التشتت والضياع.

خلاصة القول: الرهان الحقيقي اليوم ليس في تشديد قبضة الحراسة، بل في بناء تقويم عادل وإنساني. تقويم يُمكّن التلميذ-الطفل من إبراز قدراته في بيئة آمنة وصديقة، لا أن يُختبر في قدرته على تحمل الخوف وقسوة المناخ واغتراب المكان.

 

نبيل بلالة