11 يوليوز 2024

أمن المنطق أن نتطلع إلى زيارة الرئيس الفرنسي لبلادنا ؟

أمن المنطق أن نتطلع إلى زيارة الرئيس الفرنسي لبلادنا ؟

من الأخبار التي وقعت تحت عيني منذ حين من الدهر خبر غريب مفاده أن الرئيس الفرنسي عمانويل ماكرون عمل أو يعمل على تأجيل موعد زيارته للمملكة المغربية، قيله كذلك وكأن هذه الزيارة قدر مقدور لا بد من وقوعه، بينما المملكة المغربية- كبلد حضاري ذي سيادة وتاريخ وصيت- غير ملزمة بقبول هذه الزيارة فيما تقبل او ترفض من الأمور التي تخص مصلحتها العليا، وفيما تنتظر ضمن انتظاراتها العائدة عليها بالخيرالعميم.
فكيف يا ترى تقبل هذه الزيارة، ويرجى حدوثها وسحائب داكنة تتراءى في الأفق السياسي الفرنسي، منذ شهور، منذرة بأنها أمارات كيد في الخفاء صادرة ربما عن الرئاسة الفرنسية لغاية من الغايات كمحاولة عرقلة مسيرة المغرب التنموية والمس بمصالحه الحيوية بشتى المناورات التي لا تخفي على المحللين السياسيين والخبراء الاستراتيجيين؟ ومن ثمة فلا يستبعد أن يكون الرئيس الفرنسي هذا أيضا وراء الموقف المعادي للمغرب الذي وقفه مؤخرا، بكيفية مكشوفة سافرة، وبكيفية تنم عن انعدام التجربة السياسية، الرئيس التونسي مؤخرا من صحرائنا المغربية التي لا يجادل فيها إلا كل حقود عنيد.
ونظرا للموقف المتصلب الذي ما فتئ الرئيس الفرنسي ماكرون يسلكه مؤخرا إزاء بلدنا المغرب، فلا يستبعد- والأدلة على ذلك متوفرة قبلا في نفس السياق- أن يكون هذا الرئيس هو الذي يحرض جنرالات بلد الجوار ودميتهم الكرطونية على اتخاذ الموقف العدائي المعروف من بلدنا، معلنا جهارا منذ ردح من الدهر غير قصير.
لا جرم أن الرئيس الفرنسي في ظل الصراع والعداء في شمال أفريفيا قد يوحي أيضا إلى أصحاب الميولات الماكيفيلية هؤلاء بإشعال فتيل الحرب بين بلدنا وبلد الجوار، موحيا إليهم زخرف القول غرورا، طالما أن إيحاء شيطانيا من هذا القبيل يخول فرنسا فرصة ذهبية لبيع السلاح إلى البلد المتباهي ” بقوته الضاربة “، وإحكام القبضة على اكبر بلد جغرافيا في شمال أفريقيا، خاصة أن القارة الأفريقية برمتها اليوم تسعي بشتى الوسائل إلى التخلص بل إلى التحرر من الهيمنة الفرنسية العميقة الجذور، ومن الفرنكوفونية المقيتة، لأن كلتا الحقيقتين مكرسة للتبعية البغيضة ومؤدية إلى مزيد من الاستغلال الفرنسي لثروات أفريقيا، وإلى مزيد من الهيمنة.
ورغم كل هذه الآفات والكوارث القريبة من دارنا المغربية، والتي لا يستبعد أن تكون من صنع الدولة الفرنسية اليوم على عهد ماكرون، فإن الرئيس الفرنسي كذلك ماض قدما في تجاهل معطيات التاريخ ليصر على طمس الحقيقة المتعلقة بخرائط 1880 و1844 زمن اتفاقية للا مغنية المغربية، و1906 زمن اتفاقية الجزيرة الخضراء، و 1912 زمن عقد الاحتلال الفرنسي لا الحماية الكاذبة، إذ كل تلك الخرائط تشهد- بما لا يدع مجالا للشك- على اقتطاع أطراف شاسعة من أقاليمنا الشرقية كتيندوف والساورة وتوات والقنادسة وبشار وعين صالح لتضاف، في زمن مضى، إلى دولة الجوار، صاحبة الاسم الرنان، والتي تهيمن اليوم ظلما وعدوانا وتطاولا وتسلطا، بمنطق التوسع الآثم، على تلكم الأراضي التي كانت فرنسا آنذاكم تعتبرها جزءا لا يتجزء من الأراضي الفرنسية، لولا أن التاريخ سفه أحلام المحتلين الفرنسيين فيما ادعوه من امتلاك زائف كاذب.
ومن المعروف تاريخيا أنه عند أنتهاء الاحتلال الفرنسي لتلك المناطق المغربية، ولدت هناك دولة اسمها الجزائر، فوجدت نفسها مهيمنة، بظلم ظالم، على أراض مغربية شاسعة لم تكن لتحلم بها أبدا لولا وضعية الاحتلال التي مكنتها من تلك الأراضي التي ليست لها، والغريب في الأمر أن تلك الدولة ذات الحظ السعيد لم يكن لها أيضا أى وجود يذكر في التاريخ، وهذه حقيقة تاريخية يشهد بها المؤرخون، مثلما شهد بها الجنرال دوغول نفسه.
وفي هذا الصدد بالذات، فقد صرحت مديرة الوثائق الملكية أثناء ملتقى لها بوكالة المغرب العربي للأنباء- في معرض حديثها عن الوثائق الملكية كمؤسسة في خدمة تاريخ المغرب- بأن الصحراء الشرقية بالجزائر- والتي منها منطقة تندوف- هي أراض مغربية، كما تشهد بذلك الوثاق الرسمية (archives)، والخرائط.
ومن شاء المزيد من المعلومات فيما يخص هذا الجانب من الموضوع فليستمع، على سبيل المثال لا الحصر، إلى التصريحات التي أدلى بها في وقت من الأوقات المحلل الفرنسي كلود مونيكي Claude Moniquet إلى وكالة المغرب العربي للأنباء، وإلى آراء المؤرخ الفرنسي برنارد لوغان Bernard Lugan بخصوص اصالة الأمبراطورية المغربية وعراقتها عبر التاريخ، وهشاشة الدولة الحديثة التكون بجوارنا.
وعلى العموم، فالآراء والتصريحات والكتابات متنوعة في هذا المجال، و كلها صادرة عن محللين سياسيين ومؤرخين ورجالات دولة.
ثم هل نسينا أم تناسينا نحن المغاربة المتشبثين بدين الحنفية السمحة الخطب الهدامة لديننا التي نطق بها عمانويل ماكرون سابقا، في عهد قريب، متجنيا حاقدا، وهو يترلص بديننا الدوائر، شاتما رسولنا الأكرم عليه الصلاة والسلام من موقع حقد أعمى؟ وهل يفسر ذلك الموقف المعادي للإسلام ولرسول الله صلى اله عليه وسلم تفسيرا آخرغير ذلك ؟
كان هناك صمت مريب رغم ردود قليلة ومواقف ضعيفة، وحتى الأزهر الشريف، مع كامل الأسف آنذاكم، لم يكن في مستوى مسؤلياته الدينية والتاريخية لإفحام هذا الخصم اللدود للإسلام، لا لأن الأزهر لم يكن يمتلك الرد المفحم الذي يقدر أن يقول لمعادي الإسلام بأن حجته داحضة، ولكن لأن خلو تلك المؤسسة الهامة من الشجاعة الأدبية حالت دون المبتغى، أى دون نصرة الإسلام والانتصار لدين الله من غير أن يكون هناك خوف لومة لائم.
فإن يكن صمت هناك مريب زمن حصوله، وقد حصل، فإن المغرب- بلد ء حزم الأندلسي المغربي، والفيلسوف الفقيه المالكي أبي الوليد بن رشد، وأعلام غيرهم نبغاء الفقه واللغة كعبد الواحد بن عاشر ومحمد بن أجروم الصنهاجي والفقيه الهبطي نابغة وقفات القرآن، إن مغربا هذه منزلته العلمية يأبى- لا شك يأبى- قبول الأذى الذي ألحقه الرئيس الفرنسي عمانويل ماكرون بالإسلام وبنبي الإسلام !
فهل أفلح ماكرون يا ترى في معاداته للإسلام دينا ارتضاه رب العالمين لعباده، هل أفلح الرجل محاربا إياه بجهد جهيد كأنما ينطح الصخر؟ كلا وألف كلا، لأن نور الله لا يطفئه كيد كائد ولا حقد حاقد، إذ أن هذا الكائد الحاقد يكيد كيدا ويكيد الله كيدا، أفلا نقول إذن في هذا الصدد، متأولين القرآن : فأمهل الكافر، أمهله رويدا !، خاصة أن الله تعالى في سياق مثل هذا يقول أيضا : ” ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين ” الآية.
وقد جاء في المثل : إذا كنتما أنتما قد رضيتما، فإن العدل لا يرضى !
أو نكون نسينا أيضا، نحن المغاربة، كيف قطع عمانويل ماكرون الطريق مؤخرا في مونديال قطرعلى منتخبنا الرياضي الوطني المتألق حتى لا يفوز فوزه الساحق بالمرتبة الأولى في تلك الألعاب العالمية كما كان منتظرا، ونسينا كيف سعى ماكرون بحضوره الشخصي المريب هناك وبما رافق ذلك من مناورات وتآمر ومكائد للأطاحة بالفريق المغربي المتميز دوليا بفضل ما أبان عنه من حنكة وتفوق مهنيين؟
أفبعد كل هذه السلوكات المؤسفة المؤدية إلى المس بديننا وبنبينا، والضارة بمصالح بلدنا، كما وردت على لسان الرئيس الفرنسي وفي سلوكه الاستفزازي، يبقى هناك مجال للكلام عن زيارته للممملكة المغربية الشريفة التي هي امتداد تاريخي للأمبراطورية المغربية الشريفة Empire chérifien، تلكم الأمبراطورية التي كان كل ملوك فرنسا يحسبون لها ألف حساب ( شارلمان لويس الرابع عشر، الخ.) ؟
وفي الأخير، أو ليس موقف البرلمان الأوروبي المنحي باللائمة علي المملكة المغربية، بتعلات واهية لا تقنع أحداً، هو من إيحاءات أو أملاءات ماكرون الشيطانية بغاية الإضرار ببلادنا حتى تتأرجح مسيرتها نحو مزيد من التنمية وتتأثر سلبا أيديولوجيا استكمال وحدته الترابية ؟
فهل بعد اتضاح الحقائق يبقى هنالك مجال للشك في مكائد ماكرون الذي ما فتئ يكيد لنا كيدا ويتربص بنا الدوأئر، ونحن لا نعير لذلك اهتماما ؟
فإن يكن إذن للإعلام المغربي من توجهات وطنية تذكر، مضافة إلى التمكن من أصول مهنة الصحافة وأدواتها الفعالة، دور في إقناع السلطات الحكومية في البلاد، والدوائر العليا خاصة، كى تعلن عن عدم استعداد المملكة المغربية لاستقبال الرئيس الفرنسي باعتباره مرحليا شخصية غير مرغوب فيها persona non grata، فإن موقفا كهذا سيكون لا محالة بمثابة قرار تاريخي سيعمل على خلق موقف جديد لدى الرئيس الفرنسي يطبعه الاتزان والاتعاظ بكيفية تضمن مراعاة مصالح المغرب…
كأني بماكرون في هذه الأيام يستعد لزيارة بلد يحقد عليه ويعرقل مسيرته التنموية، وفوج من حاشيته مقتحم معه، يبد أن لسان الحال عندنا يقول : لا أهلا ولا مرحبا بكم، أنتم فدمتم لنا العداء المستحكم، فلم تريدون زيارة بلدنا ؟ بل لا مرحبا بكم، ويوم تقاطع السلع الفرنسية في المغرب يفرح المغاربة بنصر الله، ألا إن نصر الله قريب فلا تستعجلوه !
فانطلاقا إذن مما اقترفت يدا الرئيس الفرنسي من تجنيات ضد المغرب، وسعيا نحو تصحيح الأوضاع وإصلاح ما أفسده موقفه المتصلب ضد بلادنا، فلا بد أن يأتي يوم تعترف فيه فرنسا بضرورة نبذ المناورات الضارة بمصالحنا كمغاربة، والتعامل مع بلدنا كند لها دبلوماسيا وثفافيا وحضاريا، وإلا تفعل يكن تولي الوجه عندنا في المغرب شطرعالم الانجلو ساكسون، وفي ذلك الخسارة كل الخسارة لها،
أى الجمهورية الفرنسية.

بقلم الدكتور رضوان القادري،
رئيس جامعة الكفاءات المغربية المقيمة،
الباحث الدولي في الشؤون الدبلوماسية و العلاقات الجيوستراتيجية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *