في ذكرى عيد العرش.. “السيادة، التنمية، والريادة”: الحصيلة الاستراتيجية لـ27 سنة من حكم الملك محمد السادس
محمد فجري
شهدت المملكة المغربية الشريفة في عهد جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، تحولات كبرى شملت إطلاق حزمة من المشاريع والإصلاحات منذ اعتلاء جلالته عرش أسلافه المنعمين سنة 1999. وبحلول الثلاثين من شهر يوليوز الجاري، يكون جلالته قد قاد مسيرة العرش لسبع وعشرين سنة، متسلحا بعزيمة وإرادة صلبة ترجمت على أرض الواقع عددا من المشاريع الاقتصادية والإصلاحات الحقوقية، والسياسية، والقانونية، والتشريعية، والإدارية، والتي ظهرت نتائجها الملموسة لتجعل المغرب رائدا في إفريقيا، والمنطقة المغاربية، والعالم، وتنال رضا المواطنين والمواطنات في البلاد.
لقد تغير المغرب على امتداد سنوات الحكم هذه، بشهادة الداخل والخارج معا، وشهد البلد تحديثا كاملا للبنيات التحتية وإطلاق أوراش عملاقة أهلت المغرب لينال شرف استحقاق تنظيم كأس العالم، كثاني بلد إفريقي يحظى بهذه الثقة الدولية الكبيرة، والتي لم تكن لتأتي إلا مكافأة لما تحقق لفائدة البلاد من منجزات غيرت ملامحها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
وإن كانت المشاريع كثيرة ومتعددة المستويات، فلا بأس من التذكير النافع؛ فحين الحديث عن التغيير الاقتصادي الكبير والبنية التحتية، نجد المنجز على الأرض شاهدا؛ بدءا من المركب المينائي “طنجة المتوسط”، وميناء “الناظور غرب المتوسط”، وميناء “الداخلة الأطلسي”، وصولا إلى تحديث ميناء الدار البيضاء. وحين الحديث عن شبكة الطرق، فإن الطرق السيارة تخترق المملكة من شمالها إلى جنوبها، وآخرها الطريق السريع تيزنيت -الداخلة، بجانب القطارات فائقة السرعة “البراق” التي يجري العمل على تمديد خطوطها، فضلاً عن الأبراج، والمستشفيات الجامعية، والمشاريع العمرانية والملاعب العملاقة.
ولم تقتصر النهضة على البنى الرياضية فحسب، بل واكبها عمل دؤوب لتعزيز جاذبية الاستثمار، إذ تم تحويل المملكة إلى منصة صناعية ولوجستية رائدة تجتذب كبرى الشركات العالمية؛ بدءا من مجال صناعة السيارات وأجزائها وبطارياتها، مرورا بصناعات الطيران الدقيقة، وصولا إلى الصناعات الدفاعية والعسكرية، فضلا عن ترسيخ التنافسية بالعمل على بناء نموذج اقتصادي حديث يعتمد على الاستقرار والموقع الجغرافي الاستراتيجي للبلاد.
لقد وضعت الرؤية الملكية الاستباقية المغرب كقائد إقليمي في قطاع الطاقة المستدامة بهدف تقليص التبعية الطاقية؛ فمركب “نور ورزازات” يصنف اليوم كأحد أكبر مجمعات الطاقة الشمسية المركزية في العالم، دون أن ننسى طاقة الرياح والهيدروجين الأخضر، إذ تم تطوير محطات ريحية عملاقة (خاصة في الأقاليم الجنوبية)، مع إطلاق “عرض المغرب” لقطاع الهيدروجين الأخضر للاستحواذ على حصة وازنة من سوق الطاقة النظيفة العالمي المستقبلي.
لقد أعطت توجيهات جلالة الملك، ووقوفه الشخصي على تتبع كبريات المشاريع المنجزة في المملكة عن قرب، ثمارها في تحديث القطاعين الفلاحي والسياحي؛ فمخطط “المغرب الأخضر” واستراتيجية “الجيل الأخضر” هما استراتيجيتان طموحتان مكنتا من عقلنة وتحديث الاستغلاليات الزراعية، والرفع من الصادرات الفلاحية (كالخضروات، الفواكه، وزيت الزيتون)، وتوجيه الإنتاج نحو تحقيق السيادة الغذائية ومقاومة التغيرات المناخية. وفي سياق متصل، يحقق المغرب اليوم ريادة سياحية استثنائية، إذ تضاعف عدد السياح الوافدين على المملكة بفضل استراتيجيات التسويق المبتكرة وتطوير البنيات الفندقية والمطارات، لتصبح السياحة رافعة أساسية للاقتصاد ومصدرا رئيسيا للعملة الصعبة.
وقد وفرت هذه الرؤية الملكية بيئة أعمال مثالية عززت جاذبية الاستثمار بفضل “ميثاق الاستثمار الجديد”؛ الذي جاء ليعيد صياغة الحوافز الضريبية والمالية الممنوحة للمستثمرين المحليين والأجانب، مستهدفا رفع حصة الاستثمار الخاص لتشكل ثلثي إجمالي الاستثمارات بحلول عام 2035، إلى جانب إحداث “صندوق محمد السادس للاستثمار” كآلية سيادية تم إنشاؤها لتمويل المشاريع الاستثمارية الكبرى ودعم قطاعات الإنتاج، مع تبسيط المساطر الإدارية وتطوير الرقمنة الإدارية (مثل نظام التعريف الموحد للمقاولات) لتحسين مناخ الأعمال وتسهيله.
وكل هذا المنجز المحقق وغيره الكثير، واكبته إصلاحات مؤسساتية وحقوقية كبيرة توجت بدستور 2011، الذي أقر وثيقة دستورية متقدمة تعزز ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوسع مجال الحقوق والحريات. كما شملت الإصلاحات ملف العدالة الانتقالية من خلال طي ملفات الماضي عبر تجربة “هيئة الإنصاف والمصالحة” الرائدة، وترسيخ التنوع الثقافي عبر تعزيز الهوية الوطنية وتتويج ذلك بإقرار اللغة الأمازيغية لغة رسمية للبلاد.
وصاحب كل هذا أيضا إنجازات اجتماعية ودبلوماسية بارزة؛ برزت في أبهى صورها من خلال ورش “الدولة الاجتماعية” وتعميم الحماية الاجتماعية، إضافة لإطلاق ورش التغطية الصحية الإجبارية والدعم الاجتماعي المباشر للأسر المعوزة. أما على مستوى الدبلوماسية الإفريقية، فقد تكرس الحضور المغربي عبر تفعيل سياسة التعاون “جنوب – جنوب” والعودة المظفرة إلى الاتحاد الإفريقي. وفي ملف وحدتنا الترابية، نجحت المملكة في تكريس الاعتراف الدولي المتزايد بمغربية الصحراء والسيادة الوطنية، وصولا إلى القرار التاريخي والأبرز الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2797، والذي زكى مبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد للنزاع.
في الحقيقة، يبقى هذا السؤال هو الأبرز بعد مرور 27 سنة من حكم جلالة الملك محمد السادس للمغرب: هل يمكن أن نتحدث عن حصيلة بأرقام ومؤشرات ومنجزات بالمعاني الجامدة لهذه الكلمات؟ طبعا لا؛ فما حققه جلالة الملك منذ توليه عرش أجداده المنعمين يتجاوز لغة الأرقام الصماء إلى حقائق أقوى وأبلغ في معايير ومقاييس الدول؛ لقد أدخل جلالته المغرب خلال سنوات الحكم هذه إلى المعادلة الدولية بقوة فعلا وقولا، وصار المغرب حاضرا، ومؤثرا، ومهاب الجانب، ومطلوب المشورة في كل القضايا المعقدة والتحديات التي تواجه العالم.
ولفهم هذا المعطى جيدا، لا بأس من القيام بمقارنات بسيطة؛ فهناك عدد كبير من الدول تتمنى أن تنال مكانة ومقام المغرب اليوم في عدد من الملفات والقضايا، سواء الأممية أو الإقليمية، ولم تستطع هذه الدول، رغم غنى بعضها وامتلاكها للثروات الطاقية من بترول وغاز، أن تلتحق بركب كبار الفاعلين الدوليين.
إن ما يجنيه المغرب اليوم نابع من حكمة وفطنة جلالة الملك، وإجادته للتموقعات الاستراتيجية، والدخول بالمملكة في شراكات دولية رابحة، أساسها ومنتهاها السلم ومعادلة “رابح – رابح”.
إن تطور الدول يقاس بما أُنجز فعليا على الأرض، وبكيفية تغيير البنية الهيكلية للدولة ووجهها التنموي رغم محدودية الثروات الباطنية، والظرفيات الاقتصادية المتقلبة عالميا، والحروب والأوبئة.
وبنظرة موضوعية تنطلق من منظار صافي وواقعي للمنجزات، يتضح أن ما أُنجز في المغرب يعد طفرة استثنائية مقارنة بدول تداول عليها الكثير من الرؤساء والحكومات، لكنها تظل تصارع للحاق بالركب، وتشبه في تعثرها مغرب ثمانينيات القرن الماضي؛ لأن مغرب اليوم ليس هو مغرب الغد، وكأس العالم وشرف تنظيمه هما أبرز جواب وعنوان على مرحلة تاريخية من الحكم الرشيد والقيادة المتبصرة.

