ممنوع الكراء لـ”الأفارقة”!!!

ممنوع الكراء لـ”الأفارقة”!!!

كان يمشي بخطوات متثاقلة وملامح العياء مرسومة على محياه بعد أن أنهكه مشوار البحث، رفع رأسه بصعوبة وصوب عينيه نحو واجهة إحدى البنايات بحي أفراح السلام بالبيضاء شخصت عينا جورج، طالب كاميروني، 30 سنة، بعد أن شاهد إعلانا مكتوبا بلغة فرنسية سليمة وبالبنط العريض ممنوع الكراء لـ”الأفارقة”، “هذا غير معقول لماذا هذا التمييز؟”، كانت تلك أولى العبارات التي نطق بها جورج، من وحي اللحظة.

بعد نوع من التردد مشوب بالحذر قبل جورج بسرد معاناته لـ”المغربي اليوم”، “في محاولاتي الكثيرة للبحث عن شقة للكراء جبت عدة أحياء كالطير المهاجر غير أنني تعرضت لعدة مواقف تمييزية”. ويسترسل هذا الشاب في الحكي “بعد أن عجزت عن تحقيق هذا المنال بمفردي استعنت بخدمات وسيط بيضاوي على أمل تحقيق حلم الحصول على شقة لكن حصل ذات يوم ما لم أكن أتوقعه فبعدما انتقلنا أنا والوسيط لإحدى العمارات بحي الألفة وبمجرد أن رأى صاحبها شكلي ولون بشرتي قال لي غير مرحب بالأفارقة داخل هذه العمارة قبل أن ينقل حديثه مع الوسيط إلى الدارجة المغربية لكي لا أفهم ما يدور بينهما”.

 

الإلدورادو المغربي

 

في غياب أرقام رسمية حول عدد المهاجرين الأفارقة بالمغرب والتي وإن وجدت يتم النفخ فيها للاستفادة من الدعم الذي يخصصه الاتحاد الأوروبي والمنظمات غير الحكومية قدرت دراسة أنجزتها الجمعية المغربية للدراسات والبحوث حول الهجرة، واللجنة الدولية من أجل تنمية الشعوب الموجودة في إيطاليا، عدد المهاجرين السريين الأفارقة بالمغرب بحوالي 20 ألف مهاجر يتقدمهم النيجيريون متبوعين بالماليين والسنغاليين ومهاجري الكونغو الديمقراطية، ويتوزعون على مدن مغربية مختلفة بنسب متفاوتة وفي مقدمة هذه المدن طنجة، والدار البيضاء، والرباط، والعيون، ووجدة، والناظور…

وصل معظم هؤلاء المهاجرين إلى المغرب عن طريق الجزائر (75.5 بالمائة)، تنقل 13.2 في المائة منهم جوا، وسافر 7.2 في المائة منهم بحرا، في حين قدم 5.7 في المائة برا عبر مورتانيا.

وحددت الدراسة معدل بقائهم بالمغرب في سنتين ونصف، ثلاثة أرباعهم أفصحوا عن رغبتهم في السفر نحو أوروبا فيما ينوي 72.6 في المائة تحقيق مشاريعهم، بينما لا يريد سوى 10.6 في المائة العودة إلى بلادهم فيما يرغب 2.3 في المائة البقاء في المغرب.

 

البحث عن مسكن

 

يعود جورج، ليسرد حادثة أخرى وقعت له بمدينة الرباط، قبل نحو سنتين “بعد بحث مضن عن شقة للكراء بحي الشبانات الشعبي بمدينة الرباط، كانت توجه لي أسئلة كثيرة من قبيل هل أنت متزوج أم لا وإذا كان الجواب لا كما في حالتي يصبح غير مرحب بي من قبل مالك الشقة وفي أحايين كثيرة كان يوافق صاحب العمارة لكن الجيران كانوا يعارضون إقامتي بجوارهم صحيح هناك أفارقة يقومون بسلوكات غير مقبولة لكن لا يجب تعميم هذه الصورة وبعد نحو شهر من البحث توفقت في إيجاد مسكن بمساعدة صديق مغربي تمكن من إقناع مالك إحدى الشقق بالحي.

ويسترسل جورج في حكيه “ذات يوم وأنا عائد من الجامعة لمقر إقامتي اكتشفت سرقة جواز سفري وبطاقة إقامتي في المغرب من داخل الشقة من طرف صاحب العمارة فتوجهت لحظتها لوضع شكاية لدى أقرب دائرة أمنية ولما سردت للشرطي الواقعة رفض تحرير محضر في الموضوع قائلا “لا يمكنني إدانة مغربي من بني جنسي بمثل هذه الاتهامات وأمرني بالمغادرة”، ولم أشعر والدموع تنهمر من عيني دون أن أتمكن من الحصول على الإنصاف” شهادة وإن كانت صادمة فلا يمكن إلا الاستئناس بها لكون جورج، لم يقدم أي حج لإثباتها.

 

نصف الحلم

 

قصص كثيرة برويها مهاجرون أفارقة في هذا الباب بعضها قريب من الخيال، فغير بعيد عن حي أفراح السلام بالألفة نجد أشكالا أخرى للمعاناة لدى ذوي البشرة السمراء من قاطني رياض الألفة، حالة تينا، وهي مهاجرة إيفوارية 26 سنة، تعمل بإحدى مراكز النداء، بسيدي معروف، اختارت الاستقرار بهذا الحي تسلط الضوء على شكل آخر من أشكال التمييز الممارس ضد هذه الفئة “مالكة الشقة التي أكتريها منذ نحو 6 أشهر ترفض توقيع عقد الكراء معي لكوني مازالت أقيم بشكل غير قانوني كان هذا هو المدخل الذي اختارته تينا، لتلخص عبره معاناتها”.

وتواصل هذه المهاجرة الشابة حكيها “تمكنت بعد نحو شهرين من البحث عن شقة للكراء كنت أصطدم خلالها بملصقات معلقة على الجدران كتب عليها “ممنوع الكراء للأفارقة”، وبعد أن عثرت على هذا المسكن الذي أكتريه برياض الألفة، أصبحت أعيش هاجسا آخر وهو إمكانية طردي في أي لحظة من طرف المالكة لغياب أي عقد قانوني يربطني بها”.

تستمر تينا، في الحكي “تعرضت للكثير من السلوكات التمييزية بسبب لون بشرتي شكلت لدي قناعة بكون المجتمع البيضاوي غير متسامح مع الأفارقة، وأتذكر هنا بكل مرارة ما حدث لي في إحدى صالونات الحلاقة بحي المعاريف الراقي بعد أن رفضت صاحبته خدمتي، وهو الحادث الذي يتكرر أيضا مع المهاجرين الذكور إلى غير ذلك من الشتائم والإهانات التي تنفذ إلى أذناي بين الحين والآخر من قبيل “عزية” أو “أنطيزة”.

 

ما سميتيش عزي

 

يرى عبد الكريم بلكندوز، باحث جامعي متخصص في قضايا الهجرة، أن هناك عددا من الأحكام الجاهزة والصور النمطية العالقة بذهن عدد من المغاربة في تعاطيهم مع المهاجرين “الأفارقة”، والتي تترجم أحيانا إلى ردود أفعال غير متوقعة فـ”بعض مالكي الشقق يرفضون توقيع عقود الكراء مع هؤلاء للمهاجرين بمبرر تواجدهم بشكل لا قانوني ولكي يبرروا لأنفسهم إمكانية طردهم في أية لحظة”.

وذهب الباحث بعيدا حين حديثه عن التناول الإعلامي المحرض أحيانا ضد هذه الفئة “فحينما نقرأ مثلا في جريدة ما أن هؤلاء المهاجرين سبب ارتفاع نسب العنف ومرض السيدا في المغرب أو حينما نطالع عنوانا يرد فيه السرقة على الطريقة الإفريقية وفي الغالب ما تًعد مثل هذه المقالات تحت الطلب للتحريض ضد هؤلاء المهاجرين انسجاما مع المقاربة التي تعتمدها الدولة من حين لآخر في تعاطيها مع قضايا الأفارقة”.

إعلانات كتبت بالبنط العريض لا يمكن للعين أن تتجاهلها بعد أن أصبحت تحتل حيزا بارزا في واجهة عدد من البنايات السكنية، ملصقات تناثرت هنا وهناك بأغلب الأحياء البيضاوية التي يقصدها المهاجرون الأفارقة بحثا عن السكن قبل أن يفاجئوا بهذا الشرط الغريب لتتداعى إلى أذهانهم لحظتها مجموعة من الصور النمطية والتمييز الذي يواجهونه منذ أن وطأت أقدامهم المغرب دون أن يدركوا أن هذا النوع من التمييز سلوك قديم متأصل في المغرب بين أبناء البلد أنفسهم.

يحيل المهتم بشؤون الهجرة من أجل فهم هذه الإشكالية أكثر على الحملة التي انطلقت أخيرا في المغرب بعنوان “ما سميتيش عزي”، والتي دعا المغاربة إلى التفاعل معها بشكل إيجابي للتصدي للعنف الجسدي واللفظي والرمزي في حق المهاجرين السود، وطالب بإدماج ثقافة التعايش ونبذ العنف والكراهية والعنصرية والتسامح مع الآخر المختلف في المقررات الدراسية لكي نتحول من مرحلة الخطابات إلى مغرب آخر يكون حتى للمهاجرين مكان داخله”.

 

صور مشوشة

 

لم يكن جورج وتينا، لوحدهما ضحايا لهذا التمييز فموسى، عامل سنغالي، 35 سنة، عاش لشهور على حلم العثور على شقة يكتريها لكن لون بشرته السمراء حال دون تحقيق رغبته في العثور على مسكن يأويه.

يحكي هذا العامل لحظة سؤاله قصته بأدق تفاصيلها “خرجت أبحث عن شقة للإيجار بعد أن اصطجبني زميل لي عند صاحب محل للبقالة سبق وأن وعده بتأمين طلبه ولما حللنا عنده اتصل بمالك الشقة ليخبره بأن طلبة أفارقة يريدون كراءها فما كان من صاحبها إلا أن أجاب بشكل مختصر عبر الهاتف حسب ما أخبرنا به البقال لا أؤجر الشقة للأفارقة”.

واستمر موسى في روايته “قطع صاحب الدكان الخط ووجه إلينا سؤالا غريبا لم نكن نتوقعه أ مسلمون أنتم؟ لم أفهم حقيقة ما علاقة الإسلام بالكراء أو السكن، وبعد أن خيم الصمت على المكان أخرج البقال ما في جعبته “يرفض كثير من أصحاب الشقق تأجيرها للأفارقة فمشاكلهم لا تنتهي ناهيك عن كثرة زوارهم وأحيانا تكترى الشقة لشخص واحد أو شخصين قبل أن تتحول لإقامة جماعية لعشرة أفراد كما أن حياتكم مليئة بالصخب والضجيج وهذا لا يروق كثيرا لأصحاب الشقق ولا سكان العمارة وباءت محاولاتنا لتبديد هذه الصور المشوشة بالفشل”.

 

رحلة الألف ميل

 

شدد آخر تقرير صادر عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بقوة على أن هؤلاء الأجانب مشمولون بمجموع الضمانات الدستورية المناهضة للتمييز، داعيا البرلمان إلى الإسراع بالنظر في مقترحات قوانين قدمتها فرق برلمانية بخصوص مناهضة التمييز ومكافحة الاتجار بالبشر.

وحث المجلس وسائل الإعلام إلى الامتناع عن نشر أي خطاب يحث على عدم التسامح والعنف وكراهية الأجانب والعنصرية ومعاداة السامية والتمييز إزاء الأجانب ثم محاربة الصورة النمطية والخطابات السلبية حول الهجرة.

ودعا المجلس إلى المساهمة بشكل فعال في تحسيس الساكنة حول العنصرية وكراهية الأجانب دون إغفال تنفيذ برامج خاصة بالتوعية والتكوين حول عدم التمييز خاصة بالنسبة للمقاولات المتعاملة مع الأجانب.

يستقر جورج، اليوم بمدينة الدار البيضاء، قادما إليها من العاصمة الرباط بعد أن نجح في اكتراء شقة من الباطن أي من خلال إعادة كرائها من مكتريها الأصلي وهو مغربي واهتدى هذا الطالب الكاميروني إلى هذه الحيلة بعد أن استنفذ كل الطرق المشروعة من أجل إقناع الملاك من أجل منحه سكنا يمهد له الطريق لينصهر وسط المجتمع البيضاوي.

 

Affiche1

affiche3

مقالات ذات صله

  1. malikaa

    يا اخي لس هذا من باب العنصرية فانا امر بنفس التجربة التي مر من اغلب المغاربة انا ايضا اضطررت للانتقال من مسكني لظروف جد خاصة و بما اني لا استطيع كراء منزل اخ لاني ادفع الاقساط الشهرية للبنك ارتايت ان اكري منزلي لطالب قمري وهنا الكارثة فيما بعد تبين انه انهى دراسته ولا ينوي الرجوع الى جزر القمر ولا يودي ثمن الكراء فما هو الحل في نظرك ……

    الرد
  2. bendriss khadija

    salam aalaikoum koulchi li maketoube maakoulle rahe asidi al maghariba ahesane nasse wa ahesane afarika wa ahesane joura hade afarika meli kayesekenou fi chi dar kaye kharebouha kayesekenou arebaata achehoure bi recu wa bi contrat wa yejibe aaicherine wahedee wa mhagharuba ka jirane kaye yeaatewehoume taame wa kesekesou wa lahrira wa kaye derou bi hesabehoume fi aayeade wa fi al mounasabate avrai dire se sont des bons acteurs ils savent créer le beau temps et savent créer le mauvais temps se sont des constations ce que je viens de dire et ecrire ils sont plusieurs personnes dans mon cartier allah yehedihoume seaabe bezafe

    الرد

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *