لا دولة لا وطن

 لا دولة لا وطن

عبد الحميد جماهري

أعترف بأن نهاية الأسبوع الذي ودعناه، وبداية الأسبوع الجاري بالمحمدية لن تمرا بدون أثر

وبدون صدى..

فقد شكلتا بالنسبة لهذا العبد الضعيف زلزالا حقيقيا، سببهما مؤرخان لا ككل المؤرخين.

أبدأ بالرجة الأولى.

هل يمكن أن تندثر فكرة الوطن؟

عن هذا السؤال الوجودي، أجاب المؤرخ والباحث مصطفى بوعزيز بالإيجاب وهو يتحدث في ندوة نظمتها الجمعية الجادة  “أجيال 21 ” بالمحمدية. ونبه الباحث إلى أن “فكرة الوطن كما جاءت بها الحركة الوطنية اندثرت»..

لعل الحكم الصادر عن باحث جاد و مؤرخ يحمل صليب المناضل أيضا على أكتافه، هو أهم ما قيل في الندوة إياها وأكثر مساءلة للعقل المغربي، إذا أردنا فعلا تحديد جدوى أن نكون مغاربة اليوم.

لقد انتهت فكرة معينة عن الوطن، أي فكرة الحركة الوطنية، وصرنا وطنا يبحث لنفسه عن ملامح في فكرة جديدة، لا نعرفها بالتحديد.

الرجة الثاني.

بعد حديث مصطفى بوعزيز، جاء صديقه وزميله في شهرية زمان الفريدة والرائعة، حسن أوريد لكي يقول ، في لقاء ربيع الكتاب بكلية العلوم الاقتصادية والقانونية بالمحمدية نفسها، بأن الدولة لا تعني المخزن والمخزن لا يعني الدولة، مضيفا أن لدينا الإدارات ولكن ليست هناك الدولة، بالمعني الحديث، بل هي “في طور الاختمار” ، مما يجعل من الصعب أن نفكر في الحداثة بدون دولة.

إذن هل تكون الخلاصة أن المغرب يعيش بلا دولة، ولكن يعيش بالمخزن؟

وأن الوطن نفسه تغير جلده وهويته ، وأننا ندخل عصر الألفية الثالثة بكيانين أساسيين ليس لنا من هما سوى المفهوم؟

هل يمكن أن نفكر، كما قال عبد الله العروي من داخل منطق دولة لا توجد أو لم توجد بعد، وأن النظام والمخزن، كعملتين أساسيتين في المغرب يعوضانها، ومن هنا، تكون الدولة هشة والنظام المخزني قويا؟

الحق ، والنظام الأخلاقي والدولة، يقول هيجل، يشكلون الحقيقة الواقعية الإيجابية الوحيدة والإشباع الوحيد للحرية، وبهذا المعني فقد ينقصنا ركن من أركان الحرية، ولهذا ربما كان المخزن دائما عدوا للحرية، ولا يسعه أن يستجيب لشروط الدولة، بما هي التعبير الأمثل عن الحرية والواقع الإيجابي حسب هيجل.

أعتقد بأن الفهم الجدلي يقتضي الإقرار بأن الدولة ككيان وكجهاز ، كما هو متعارف عليها في أدبيات السياسة والتاريخ والعمران،ليست هي ذاتها التي نعرفها، وأننا أمام كيان يتشكل، منذ القدم وما زال يقترب أو يبتعد من المعيار المتعارف عليه في الدول الحديثة.

والوطن، كفكرة عن الحركة الوطنية لا يندثر لكن التفكير فيه بإرث الحركة الوطنية ، حسب بوعزيز ، هو الذي يجب أن يندثر.. نحن أمام معضلتين أساسيتين أثارهما باحثان ومفكران يشتركان في التقاسم التاريخي للبحث في المغرب اليوم.

الوطن يتعدد، ولا يندثر، ونحن ربما نسير باتجاه تعريف جديد للوطن، بالرغم من أننا ما زلنا نعيش اللحظة الوطنية والمفردات الأساسية فيها هي الوحدة الوطنية ووحدة التراب.

ويبقي الحل في وجود الوطن، هو التعدد في الوحدة وليس الوحدة الواحدة، كما اقتضته معركة التحرير الأولى، في حين أن معركة التحرير الثانية، أي معركة استكمال التراب تقتضي ربما التعدد، ولهذا قد يكون الحكم الذاتي والجهوية المتقدمة من مقومات الهوية الوطنية الجديدة..

أقول ربما، كتخمين أما القلب الذي يفكر بمفهومين ناقصين لا تسعفه الجدليات كلها..

 

 

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *