كازبلانكا… حكاية مدينة كولونيالية

 

أدرجت وزارة الثقافة 49 بناية بمدينة الدارالبيضاء في قائمة التراث الوطني، فيما تنتظر 17 بناية أخرى دورها، لكن موازاة مع هذه الإرادة في حفظ جزء مهم من ذاكرة البيضاويين تصدر المحكمة الإدارية للمدينة من حين لآخر قرارات تقضي بـ”إقبار” عدد من البنايات، آخرها الحكم القاضي بهدم بناية “بيوت تومبلي” الموجودة على مقربة من المطعم الشهير “نجمة مراكش” وفندق “لينكولن”، بشارع محمد الخامس، إلى جانب “فيلا كادي”، رغم أنهما مدرجان ضمن اللائحة، ودون استشارة خبراء وزارة الثقافة، إلى جانب قرارات هدم مماثلة نفذت في حق 20 بناية أخرى تعد من التحف النادرة التي جادت بها أنامل مهندسي القرن العشرين. تأتي هذه القرارات “العشوائية” أيضا، مع إطلاق مشروع تأهيل المدينة القديمة وصيانة مبانيها التاريخية، وإيجاد حل لملف فندق “لينكولن” بفعل تدخل الوكالة الحضرية للدار البيضاء.

ليس هذا القرار الوحيد من نوعه، بل صدرت في الآونة الأخيرة قرارات هدم مماثلة نفذت في حق بنايات مصنفة ضمن التراث الوطني، ويتحدث عدد من المهتمين بالمجال عن غياب استراتيجية واضحة لتجديد العمران، وضعف الإمكانيات المادية، زيادة على عدد من الإشكالات القانونية المعقدة، ليقف حوالي 7 ملايين بيضاوي مكتوفي الأيدي أمام أكبر عملية “سرقة” تعرضوا لها، وهي سرقة الذاكرة.

 

حين تلتقي أمريكا وفرنسا

 

لم يكن اختيار المخرج الأميركي مايكل كورتيز، لاسم المدينة لإنجاز فيلمه الشهير “كازابلانكا” في أربعينات القرن الماضي من قبيل الصدفة، فالرجل كان يدرك أن الدار البيضاء من أكثر المدن العربية حضورا في الثقافة الأوربية، سواء في الأدب أو الفن، إضافة إلى طابعها المعماري الذي يعد بمثابة لوحة فنية تشكلت معالمها على مر العصور، بعد أن هبت عليها رياح المشروع الكولونيالي الفرنسي، والمشروع الإمبريالي الأمريكي، والمشروع المحلي.

 

حسن الشرادي، مدير المفتشية الجهوية للمباني التاريخية والمواقع بالدار البيضاء، أكد حين زاره “المغربي اليوم″ على القيمة التاريخية للمدينة بقوله إن الدار البيضاء موجودة منذ أكثر من مليون سنة، وأن ضعف البحث الأركيولوجي يعد من أكبر الصعوبات التي تواجه الحفاظ على ذاكرة المدينة، زيادة على ضعف الميزانية المخصصة لوزارة الثقافة والمقدرة بحوالي 018،0 من الميزانية العامة، والتي يذهب جزء يسير منها فقط إلى قطاع الآثار؛ نظرا لوجود اهتمامات أخرى للوزارة.

وأضاف الشرادي أن المدينة تعتبر مرجعا جيولوجيا مهما نظرا لأن العظام البشرية لأول إنسان وجد في المغرب عثر عليها بضريح سيدي عبد الرحمان، والذي يمتد وجوده لحوالي 7000 ألف سنة.

وأفاد الشرادي بأن هناك فصولا كاملة في مدينة بوردو مثلا أو باريس تخصص لدراسة تاريخ سيدي عبد الرحمان، وأن كل المباني التاريخية للمدينة موجودة بالأساس بكل من مقاطعات أنفا وسيدي بليوط والمعاريف، ما ينبغي معه حسب المتحدث ذاته إنشاء متحف تعهد إليه صيانة ذاكرة المدينة، خاصة بعد ترتيب 49 بناية بالمدينة القديمة في قائمة التراث الوطني، تبعا للتعليمات السامية للملك محمد السادس خلال زيارته الأخيرة للمدينة العتيقة وإعطاء أوامر بهذا الخصوص لوزير الثقافة الذي رافقه خلال هذه الزيارة.

 

قل للزمان.. ارجع يا زمان

 

عرفت الدار البيضاء في الآونة الأخيرة تحولات كبيرة، ساهمت في تغيير ملامحها، خاصة بمركزها، وتلاشت الكثير من معالمها ومآثرها التاريخية، والباقي أصبحت تهدده آلات الهدم والدمار.. وحول توفر المفتشية الجهوية على جرد للمباني التاريخية الموجودة في الدرالبيضاء من عدمه ؟ أكد الشرادي أن حوالي 49 بناية جرى إدراجها في اللوائح كتراث وطني، إضافة إلى 17 أخرى قيد الترتيب بهدف إدماجها في وقت قريب، ومن بين البنيات المدرجة بناية “بوزونو”، أو المعروفة عند البيضاويين باسم فندق “لينكولن”، إضافة إلى “حوض السمك” و”حديقة مردوخ” و”المجازر البلدية” و”قصر العدالة” و”فيلا فيوليتا” و”فيلا لي توريل” و”فيلا سويسا” و”الفيلا المعروفة باسم الحمراء” و”الفيلا المعروفة باسم الجولة” وكنيسة “القلب المقدس”، و”بريد المغرب”، و”بناية الخزينة العامة”، ومقر الولاية و”قصر العدالة” بساحة محمد الخامس، ومقر “البنك التجاري المغربي”، ومقر “بنك المغرب” وبناية “ولاية المشور”، و”السوق المركزي” و”بناية ماري” وعمارة “الكلاوي” وبناية “ماروك سوار”، وبناية “أسياج”، وفندق “فوليبيليس”، وفندق “إكسيلسيور”، و”مستشفى 20 غشت”، ومقر “مركز التبغ”، وبناية “لوكونتوار”، وبناية “بريد الحبوس”، و”المقاطعة العسكرية”، وحي “بوسبير”، وثانوية “خناتة بنت بكار”، وثانوية “الخوارزمي”، وثانوية “ابن تومرت”، وإعدادية “القسطلاني”، ومدرسة “الأزهر”، وعمارة “التازي”، وبناية “الاستوديوهات”، وفندق “ترانس أتلنتيك” وثانوية “محمد الخامس”، وبناية “شال”، وبناية “ابن دحان”، وبناية “سوني”، وعمارة “نيبتون”، وعمارة “الأميرية”، وفندق “ماجيستيك”، و”الصيدلية المركزية”، وبناية “الطاهر السبتي”، غير أن الشرادي لم ينكر وجود العديد من الصعوبات.

 

“كازا” تتفوق على ميامي

 

تصنف مدينة الدار البيضاء ضمن قائمة المدن العالمية التي حافظت على طابعها المعماري الأصيل، الذي استطاع الصمود أمام جشع بعض المنعشين العقاريين، والتغيرات العمرانية المتسارعة ببناياتها المتقنة، إذ يفوق عدد العمارات التاريخية بالدارالبيضاء، التي يزين واجهتها النقوش المعمارية أو ما يعرف بـ”أر ديكو”، الذي تميز به المهندس المعماري الإسباني “دييجو خيمينيس”، مائة مرة مدينة ميامي الأمريكية، وأكمل جزء مهم منها نصف قرن من الصمود، دون أن تشمله عناية واهتمام مسؤولي المدينة، إذ يعود تاريخ بناء أغلب الدور السكنية، التي شكلت ومازالت هوية العاصمة الاقتصادية للمملكة، إلى سنوات الخمسينيات من القرن الماضي.

توجد بالدار البيضاء حوالي 20 بناية مهددة بخطر الانهيار، بنيت في الحقبة الاستعمارية، ومعظم هذه البنايات تتركز في شارع محمد الخامس ورحال المسكيني والزرقطوني، حسب جمعية “كازا ميموار”، التي كشفت، أخيرا، عن المواقع التراثية، التي سيجري التعريف والاهتمام بها بشراكة مع وزارة الثقافة (الإدارة الجهوية للدار البيضاء) والمجلس الجهوي للسياحة، والمعهد الفرنسي، خلال الدورة الثالثة لـ “أيام تراث الدارالبيضاء”.

تتركز ستة آلاف بناية قديمة مهددة بالانهيار في أي لحظة، حسب بحث أجرته الجمعية في شارع محمد الخامس وشارع لالة الياقوت وشارع 11 يناير، وفي شارع الزرقطوني والمدينة القديمة، ومن بين الأسباب، التي تعجل بسقوط البنايات، حسب البحث، الإهمال الذي تعانيه، وقلة العناية والتنقيص من قيمتها، وعدم اهتمام المستثمرين العقاريين بها، إضافة إلى تراجع دور السلطات العمومية والوكالة الحضرية ووزارة الثقافة ومجلس المدينة.

وأكدت مصادر من الوكالة الحضرية أن إشكالية البنايات المهددة بالسقوط، من بين المشاكل العويصة التي تعانيها العاصمة الاقتصادية، وأن الوكالة وضعت ضمن أولوياتها، في السنوات الأخيرة، العمل على تصنيف وإحصاء وتسجيل البنايات الآيلة للسقوط، وتحديد آليات التدخل بتنسيق مع وزارة الإسكان، وولاية مدينة الدار البيضاء، ومجلس المدينة، للحد من هذا المشكل.

وتأتي هذه الوعود في ظرف أصبح فيه من المؤكد أن الملف التقني المتعلق بالدار البيضاء وجد طريقه لتسجيل كل المباني التاريخية ضمن قائمة التراث العالمي لليونيسكو، ما حذا بجمعية “الدار البيضاء الذاكرة” إلى فتح لائحة لجمع التوقيعات بهدف التنديد بما تتعرض له هذه البنايات التاريخية، التي تضم إضافة إلى البنايات عدة أقسام، من بينها العمارة الدينية، كالمساجد والزوايا والكنائس والمعابد بالنسبة لغير المسلمين، والعمارة الجنائزية كالأضرحة والعمارة العسكرية، وتضم الجدران والأبراج التي كانت تحمي المدينة من الغارات العسكرية.

casa 1 memoir

 

“كويزا” حكاية مدينة…

 

تحمل المدينة حسب عدد من المراجع التاريخية لقب “كازا”، والبعض يكتفي بكلمة “كويزة”، وهو تصغير تحبيب، واسمها الكامل في الأصل “كازا بلانكا”، وهو مصطلح إسباني يعني الدار البيضاء. “أنفا” أو “أنافا” أو “انفي”… تسميات مختلفة وردت في المصادر التاريخية القديمة للإشارة إلى الحاضرة التي ظهرت في المكان الحالي للدار البيضاء وينسبها حسن الوزان (ليون الإفريقي) إلى الرومان، كما ينسبها آخرون إلى الفينيقيين، لكن جل المؤرخين يذهبون إلى أن مؤسسيها هم “البرابرة” الزناتيون، واشتهرت خلال حكم المرينيين بالتجارة البحرية مع الخارج، لاسيما مع الإسبان والبرتغال، كما كان سكانها بحارة يمارسون القرصنة ويهاجمون بصفة خاصة السفن البرتغالية؛ ما أثار حفيظة البرتغاليين الذين نظموا هجوما على المدينة ودمروها عن آخرها سنة 1486، فأصبحت تشبه مدينة الأشباح لمدة ثلاثة قرون، ولم يتبق منها بعد تدميرها سوى الضريح.

وحاول البرتغاليون سنة 1515 بناء قلعة محصنة، لكن هزيمتهم على يد المرينيين جعلتهم يتخلون عن ذلك. ويبدو أن “أنفا” اندثرت دون أن تترك أي أثر سوى ضريح “سيدي علال القيرواني” المتحدر من القيروان، والموجود قرب السقالة، ويوصف شاهدا على حضارة مشرقة، ما جعل عددا من الباحثين الأركيولوجيين والمؤرخين يعتبرون هذا الضريح أول بناية في أنفا أو الدارالبيضاء بعد إعادة بنائها خلال القرن 14 في عهد الدولة العلوية. وبفضل الضرائب المفروضة على قبائل “الشاوية” استطاع السلطان محمد بن عبد الله بناء قلعة محصنة لاستقرار الجنود، والتي أصبحت فيما بعد الوجهة المفضلة لقبائل “الشاوية” و”دكالة”.

وتتعدد روايات تسميتها ووصفها بالبيضاء، وتختلف باختلاف الرواة، ويتخذ بعضها طابعا أسطوريا، إذ نقل الباحث الفرنسي “س.برتيمي” أن الولي علال القيرواني تزوج امرأة تقطن بأنفا تسمى للا بيضاء فسميت على اسمها.

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *