شذرات حروفية

شذرات حروفية

 

قد يتبادر للذهن بأن الاشتغال على الخط العربي في التشكيل، طريقة سهلة ومجدية، لأنها مسألة جاهزة لا تتطلب سوى ترصيف وترتيب الحروف بطريقة جمالية، لكن الأمر يختلف، إذا ما تناول الفنان الخط العربي من منظور عميق يطرح أسئلة تنفذ إلى أغواره، من منطلقات فكرية ومفاهيمية تعالج القضايا الحقيقية لهذا الموروث الثقافي العربي، ليس فقط من الناحية الشكلية، بل من زاوية تاريخية مرتبطة بالثقافة والهوية والاستمرارية الوجودية، لذلك كانت التجارب الحروفية لمرحلة السبعينات أصدق تعبر للبحث عن هذه الهوية خاصة مع جماعة البعد الواحد العراقية التي كانت تتكون من شاكر حسن آل سعيد، ضياء العزاوي ورافع الناصري… إلى جانب تجارب حداثية أخرى لكل من نجا المهداوي ووجيه نحلة…

وصولا لتجارب مغربية أكدت حضورها في هذا المجال واستطاعت أن تجد لها حيزا لإثبات قدرتها على التعبر بالخط في إطار حداثي، بعيدا عن النمطية التي أصبحت تهيمن الآن على جمالية الحرف التي تقصي الروح المقيمة في معنى ومغزى في مقولته : “ربما Goethe الدلالة الكامنة في محتوى وشكل الحرف العربي، التي أشار إليها الأديب الألماني يوهان غوته لم يحدث في أي لغة هذا القدر من الانسجام بن الروح والكلمة والخط مثلما حدث في اللغة العربية، وإنه تناسق غريب في ظل جسد واحد”.

من هذا المنطلق، تناولنا تجربة الفنان خالد توفيق، الذي سخر الخط العربي كقاعدة تمهيدية ليجعل من المخطوطات
سندا ومساحة لكل التفاعات والتجارب الممكنة لصياغة الشذرة في الحرف، حيث النقطة هي محور المنظور في التكوين الإجمالي للعمل، باعتبارها مركزا تحيط به جميع المكونات التي اعتمدها في تأثيث فضاء المساحة، حيث يلتقي ما هو كرافيكي مع الحركية الانفعالية التي تختزن في طياتها فعا صوفيا، ارتكز على اختاف ظاهر في ترويض الحرف استنادا إلى مرجعية تراثية، أخرجت الوثيقة من وظيفتها الأصلية، لتصبح لها دلالة شكلية فنية مكملة للعناصر الأساسية التي تطفو واللون تركيبا متناسقا يحتل زاوية للمشاهدة، غالبا ما تكون أفقية وفي أحيان أخرى le trait فوقها، فكان للنقطة والخط عمودية، تعبرا عن تناقضات وتضاد الأشياء والأفكار والرؤى، )الظل والضوء، الحياة والموت، الحركة والسكون…(.

إن تجربة الفنان خالد توفيق، تضمر فعا اختزاليا واضحا بالمعنى الإيجازي الذي اختصره في بنية اللون، وحدده في الأزرق والأحمر والأصفر والبني، ليعيد صياغة تشكيل عمله من زاوية المشاهدة الفوقية التي تحددها النقطة باعتبارها أصل الكلاسيكي للتكوينات الأكاديمية المعهودة، احتسابا لما تحمله هذه النقطة )perspective( الخط، تمردا على المنظور من دلالات صوفية تحدد مركز التكوين، باعتبارها الظاهر والغابر في أصل الخط.

قال الروائي والشاعر الإنجليزي أوسكار وايلد “الفنان الكبر لا يرى الأشياء كما هي في الواقع، فإذا رآها كذلك لن يكون فنانا”. فالفكرة الأساسية إذن، التي تدور في فلك إبداعات الفنان خالد توفيق، تستمد كينونتها من هذه القولة، بما أنه تجاوز في إبداعه كل ما هو ظاهري، متمردا على قوانن الحرف، مع إفراغ الكلمات من محتوى المعنى، ليحتفي بها كشكل جمالي، بصفتها شكلا آخر للتواصل عر العن، كقيمة كونية لم توظف دلالة المعنى، بقدر ما كسرت جذور التواصل بينها وبن الحضارات الأخرى، في بعدها الإنساني، فإذا كان الحكيم )كونفوشيوس( قد اقرح على إمبراطور الصن القديمة، بأن يصلح اللغة ليصلح أمر أمته، فإن خالد توفيق يقرح علينا من خال تجربته الأخرة، إصاح العن لتهذيب الذوق واكتشاف قيم الجمال.

شفيق الزكاري  

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *