قبل المقال

الموت الذي يعلمنا الحياة والابداع… في الذكرى السنوية الأولى لرحيل الكاتبة والتشكيلية زهرة زيراوي

الموت الذي يعلمنا الحياة والابداع… في الذكرى السنوية الأولى لرحيل الكاتبة والتشكيلية زهرة زيراوي

احتضن مؤخرا قصر السفراء بمدينة الدار البيضاء فعاليات حفل الاحتفاء بالذكرى السنوية الأولى لرحيل الكاتبة الاستثنائية والتشكيلية المتفردة زهرة زيراوي . الاحتفاء بذاكرتنا المتعددة زهرة زيراوي ـ الشاعرة ، القاصة ، الروائية ، التشكيلية …ـ عرف حضور العديد من الأسماء المألوفة في المشهد الثقافي والأدبي المغربي ، كما حضره أصدقاء الراحلة وعشاق كتاباتها الابداعية المتميزة ، وجمهور من الأساتذة ، الطلبة والشباب من داخل المغرب ومن خارجه ، حيث تناوب على منصة الالقاء الأساتذة والدكاترة : محمد الوادي ، عبد الله الشيخ ، لطيفة لبصير …
كم توقفوا جميعا عند الكتابة الجمالية عموما و التشكيلية خصوصا لدى زهرة زيراوي هو الجسر الذي نتقاسم العبور عليه … انها ، بمعنى اخر ، دورتنا الدموية التي تضخ الحياة الرمزية في شرايين وجودنا الاعتباري بكل جبهاته ونوافذه المتعددة ، حيث تراها تضمد جراحاتنا اليومية بأريحيتها
الانسانية التي تسع للجميع ، رافضة لغات الاقصاء ، والمحو ، والمزايدات المغرضة المبطنة بالأحقاد والحسابات الضيقة . تراها ، أيضا تعزف على ايقاع السفر الباطني محتضنة أحلام فنانين رواد و آخرين من الجيل الصاعد في مختلف بقاع الوطن العربي بمختلف حدوده الجغرافية . تحية لك ، أمنا زهرة ، لأنك لم تكتف بتقديم ” المعلومات الضرورية ” عن الفنانين المبدعين في إطار بيداغوجي مدرسي ، بل طرحت أسئلة وإشكاليات تهم ثقافة العين ، ومصير الجماليات البصرية في عالم يتحدث لغة العمارة الاسمنتية . تحية لك ، أيضا لأننا نتنفس هواء نقيا في ضيافة نصوصك الحوارية ، وننصت لعمق الذات ولحركاتها الصامتة. إنك تكتبين رهاناتنا الجمالية ، وتمارسين تجربة الكتابة في الإبداع والحياة معا . ما أروعك ، للازهرة ، فمقولك عطش و ارتواء ، فراغ وامتلاء . انه مصالحة لا مخاطرة .
بعد ذلك ألقيت عدة قصائد شعرية معبرة ، واستمتع الحضور النوعي لأغاني طربية من الريبيرطوار المصري الخالد ، تم وزعت الجوائز على الفائزين بالنسخة الأولى من جائزة الكاتبة والتشكيلية زهرة زيراوي للإبداع الشبابي :
عبد الرحيم شراك عن عمله القصصي : “بائع الوقت ”
عبد الواحد البرجي عن عمله القصصي : “وجع على قنطرة الوادي”
يونس البوتكمانتي عن عمله القصصي : “طعم المخاط”
يذكر أن الحفل من تنظيم جمعية ملتقى الفن برئاسة الدكتور محمد رضائي ، بتنسيق مع جامعة المبدعين المغاربة . و تكونت لجنة التحكيم من النقاد : لطيفة لبصير ، رشيد الادريسي ، القاص والروائي العماني محمود الرحبي ، حسن الغشتول ، كما تشكلت لجنة الاستقبال والتنظيم ضمت كلا من : محمد رضائي ، محمد اللغافي ، سميرة رضائي ، وأيوب مليجي .
من باب التذكير ، توفيت زهرة زيراوي يوم الاثنين 23 أكتوبر 2017 بالدار البيضاء، عن سن 77 عامًا، حيث جاء في نعي “اتحاد كتاب المغرب” أن الأديبة الراحلة عرفت بكتابة القصة والرواية والشعر والمقالة الأدبية، ولها في هذا الباب العديد من الإصدارات داخل المغرب وخارجه، كما عرفت بممارستها التشكيل، ولها مشاركات في العديد من المعارض الجماعية داخل المغرب وخارجه، عدا اهتمامها بكتابة النقد الفني . تخرجت الراحلة، في 1961، من دار المعلمين، وعيّنت أستاذة في مركز تكوين المعلمين في الدار البيضاء، حيث تحملت مسؤولية رئيسة ملتقى الفن. كما حصلت على شهادة الدكتوراه الفخرية عن الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب.
فضلًا عن كتاباتها العديدة، التي نجد بينها روايتها “الفردوس البعيد” ومجموعتها القصصية “نصف يوم يكفي”، فقد عرفت الراحلة بكونها جعلت بيتها صالونًا أدبيًا، منذ 1990، سخّرته لتنظيم اللقاءات والأنشطة المفتوحة وتنظيم الأماسي الشعرية، ولقاءات التكريم للأدباء و الفنانين التشكيليين والكتاب المغاربة ولغيرهم من المثقفين والكتاب العرب والأجانب، هي التي عرفت بطيبتها النادرة، وبكرمها الحاتمي، وبدعمها اللافت للأدباء الشباب، وأيضًا بدفاعها المستميت عن النبوغ المغربي .كما شاركت الأديبة الراحلة في العديد من المهرجانات الأدبية العربية والأوروبية، وعرفت، في السنوات الأخيرة، بنشاطها الثقافي المندرج في إطار الدبلوماسية الموازية.

بعد المقال

.
كلمة أسرة الراحلة قدمها نجلها الدكتور محمد رضائي .

” والدتنا زهرة زيراوي،
ونحن نخلد الذكرى الأولى لسفرك الى فردوسك البعيد ، فكرنا في أن يكون هذا التخليد بصورة استثنائية بعيدة عن الحزن . حيث أطلقنا النسخة الأولى ل ” جائزة زهرة زيراوي ” للإبداع الشبابي بتنسيق مع اخواننا في جامعة المبدعين المغاربة “.
وكما كنت تفكرين دائما في الأدب والأدباء ، عبر صالونك الأدبي المفتوح منذ سنة 1990 ، حيث قمنا الى جانبك بتكريم العديد من الأسماء العربية والمغربية ، وتنظيم العديد من الأنشطة الثقافية ما بين المغرب وأوروبا . قررنا أيضا أن نسير على خطاك ، ونستمر في هذا العمل عبر جمعية ملتقى الفن ، حيث سطرنا من خلالها برنامجا ثقافيا متنوعا ، هذا الى جانب الجائزة السنوية التي نروم من خلالها تشجيع الأدباء والمبدعين الشباب .
ومن هنا نشكر كل الأيادي البيضاء التي ساهمت من قريب أو بعيد في انجاح هاته الدورة ، سواء اخواننا في جامعة المبدعين المغاربة ، وكذلك لجنة التحكيم التي سهرت على قراءة وفرز الأعمال الفائزة ونخص بالذكر : القاصة الدكتورة لطيفة لبصير .
الناقد الدكتور رشيد الادريسي .
القاص والروائي العماني محمود الرحبي .
الأستاذ يوسف سونة .
الأستاذة فاطمة الزهراء اشبيهة .
الدكتور محمد الوادي .
كما نهنئ الفائزين بالنسخة الأولى لجائزة زهرة زيراوي للإبداع الشبابي ـ صنف القصة .
نتمنى لهم كامل التوفيق والاستمرارية”.
زهرة زيراوي ، أم المبدعين بامتياز وحارسة همومهم الفكرية والجمالية ، ليست مجرد كاتبة أو باحثة في تاريخ الجماليات فحسب ، بل هي ” مبدعة في الابداع ” و ” باحثة جمالية في الجماليات ” . أليس الأمر شبيها ب ” فن الفن ” ، أو ” فكر الفكر ” .
الى جانب حسها التربوي واندفاعها الجمعوي المنساب ، تراها بتعبير الأديب صلاح الوديع تمارس ” صلاة صامتة ” على طريقة الناسكات المتعبدات في محراب زمننا الاسمنتي الذي يرثي موته اليومي باستمرار تحت شعارات التبضيع والتسليع .
في حضرة زهرة زيراوي نتماهى مع المقامات التشكيلية و النصوص القصصية والروائية الجميلة ، وننصت الى عوالم اللوحات النابضة بالحياة في إطار حفر عمودي ، وانشغال عرفاني بكل ما هو ثاو وباطني في التجارب قيد البحث والسؤال .
انها لا تمارس الكتابة و التشكيل معا بمعنى ” الثقافة العالمة ” ، والرصد التاريخي للمدارس والاتجاهات والأسماء ، بل ترقى بفكرنا الجمالي الى مستوى تأمل ” شروط الابداع ” و ” شروط التفكير في الابداع ” ، ناحتة مفاهيمها الخاصة عارضة رؤيتها المحايثة للأشياء والكائنات المحيطة بها حتى لا يظل الشح لثقافي المشترك على هامش المنظومة المعرفية الانسانية ، وحتى لا يصبح ” هوية متوحشة ” .
زهرة زيراوي فنانة تشكيليآ و كاتبة من الدرجة الثانية ، لأنها ترتضي التفكير في بعده التركيبي والتحليلي معا موضوعا أثيرا للتفكير وللحوار اللامتناهي مع الهوامش والجغرافيات المنسية بإرادة المؤسسات القاتمة.
خارج كل وصاية أبوية واهية ، تمارس زهرة زيراوي شغب كتاباتها متعددة الأصوات كنفس انعكاسي يهجس بالبحث عن حفريات الحقائق المغيبة : حفريات مشرعة على العتبات والهوامش ، أي على ما هو جوهري وأساسي بعيدا عن الكليشيهات والتقليعات السائدة بقوة المال والسلطة. ما يشكل عمق مقامات زهرة زيراوي هو بحثها الدؤوب عن التجارب الخلافية ، راصدة بلغة العارفات كيفياتها ومقاصدها، ومخلخلة أفق تمثلاتنا البديهية لعوالم الابداع في الوطن العربي الممتد الخ .

لعمري ، إن نصوص زهرة زيراوي تمد عشاق الفن ببعض مفاتيح الجمال الروحي علها تسعفهم في الإبحار وسط محيطات بلا ضفاف بتعبير المفكر الوسائطي ريجيس دوبري. فالأديبة الحكيمة صاحبة ثقافة علمية وفنية عميقة ، وتتحلى بروح انسانية قل نظيرها لا نجد بعض معالمها الا في مأثورات الصوفيين ، وعشاق الحكمة والجمال من طينة جبران خليل جبران وغيره من سارقي نيران المحبة النورانية التي كتبتها يد من نور على صحيفة من نور. أليس الانسان شاعرا يسكن هذه الأرض بتعبير هولدرلين ؟

كلمة المبدع يوسف سونة عن اللجنة التنظيمية .
مر عام على رحيل مبدعتنا الاستثنائية الأديبة والفنانة التشكيلية زهرة زيراوي الى فردوسها البعيد ، بروحها الطاهرة منعمة في دار السلام .. لقد غابت عنا بشكل معنوي ، لكن حضورها المادي لا زال قائما الى اليوم في وجداننا وخواطرنا وفي الثقافة العربية أيضا .. انه معين لا ينضب بمرجعياته الفنية والأدبية .. الكل يرتوي منه من الشرق الى الغرب كجسر ثقافي متصل بين كل العوالم .
وقبل الخوض في أعمالها المركبة بين القلم والريشة .. فهي مغربية أصيلة بوطنيتها ، صادقة في مشاعرها تجاه الأخر ، وغيورة على الثقافة العربية بكل تفاصيلها من النحيط الى الخليج .. غير أن غيابها المعنوي بفعل الموت يبدو كأنه مجرد سراب ، ويختزن في طياته حضورها الثقافي القوي في كل المحافل الثقافية والندوات المختلفة بين أرجاء الوطن العربي وفي غرب أوروبا أيضا ، هي ليست مجرد امرأة عادية ، أو كسائر الأموات ، سرعان ما يطويهم النسيان . وكما وصفها الكاتب عبد العزيز بلفقير بالقول : ” أخطر ما في الموت أنه قد يحول فكر يقظا الى مجرد جسد محنط بلا عنفوان ، فيغدو الغياب أقوى من الحضور ، وتتحول المناسبة الى ما يشبه المجاملة والتنميط ، من باب اذكروا أمواتكم بخير ” . غير أن الكاتبة زهرو زيراوي لم تمت بالمعنى العادي العامي للكلمة ، وانما هي حية ترزق ، تطالعنا في كتبها الغزيرة ، نحن اليه كلما قرأنا مجموعتها القصصية ” حنين” ، وقد استهلت هذا العمل البديع بإهداء للعالمين أجمع تقول فيه :” اله هذا الكون .. امنحني القوة على تأمله . اله هذا الجمال .. امنحني القدرة على أن أبتسم في وجه الرعب . اله هذا المكان .. امنحني القدرة على العزلة فيه حبر كتاباتي ” . نعم ، لقد أخذت الكاتبة بعد أن وافتها المنية عزلة، لكنها لن تكتب بأناملها ، بل بأناملنا نحن .
وفي سياق خر حين قال الدكتور علي القاسمي : اكتشفت أن الأستاذة زهرة زيراوي تجمع في صالونها الأدبي مزيجا من كبار الأدباء وعدد من شباب الأدباء والصحفيين والرسامين والموسيقيين والمغنيين والمنشدين الذين تنعتهم ب ” أولادها ” . فقد كان هدفها الأساسي من تلك اللقاءات تشجيع أولئك الشباب وتيسير مسيرتهم الابداعية ، وتكريم كبار المبدعين والاعتراف بعطاءاتهم ، وتبادل الرأي في مختلف القضايا الأدبية والاجتماعية . وهذا أسلوب تربوي فعال في تنمية الثقافة ، ولا عجب في ذلك ، فقد عملت زهرة زيراوي أستاذة في مركز تكوين المعلمين بالدار البيضاء ، وكان صالونها حافلا بلوحاتها الفنية البديعة ، وطعامها مغربيا متنوعا لذيذا ، اذ كانت زهرة وجميع أولادها يعدون معم الأطباق ويخدمون الضيوف بأنفسهم ، وفي مقدمتهم ابنها الطبيب محمد وبناتها سميرة ، الدكتورة عطيات ، والأستاذة سناء والأستاذة مونا بالديار البلجيكية . كان كرم الأستاذة زهرة حاتميا مطبوعا بلا تكلف .
الكتاب والباحثين الذين ينبشون في مناقبها التي لا تعد ولا تحصى لخير دليل على ثقافتها الموسوعية “.

مساء الخير ام الروح زهرة …

اعرف انك تستمعين لكلماتي ويصلك نبضي…ونبض المشرعة قلوبهم قبل عيونهم على هذه المنصة الفارغة الا منك ،
ماذا أقول لك…
اعرف انك رحلت بوجع الوطن العميق… أخبرك.. بعدك ما زال الوطن يوجعنا أكثر. ما زالت اكاذيبهم تناور أحلامنا… و خيانتهم تراوغ إصرارنا،
ما زالوا يملكون الأرض… وما زلنا لا نملك إلا السماء، نحدق فيها عاليا حين تضيق بنا الدنيا بما رحبت.. نحدق عميقا فنجدك هناك.. تشدين على أيادينا بحرارة
تعلمين زهرة الروح … اغبطك على الموت… اجل اغبطك لاني اعرف انك رحلت بشموخ… كما كنت تتمنين…
اخاف ان نظل هنا حتى تتمرغ أحلامنا وكرامتنا واوراقنا البيضاء في وحل المخاتلين.

و فاتت سنة يا أمي…
و كل ألوان ريشتك تغازل الملائكة…
تهديها بعض حروفك المثناترة هنا و هناك وفي كل قلب،
و فاتت سنة يا أمي…
و المزهريات العتيقة في شرفة بيتك ازدادت بهاء،
اما مكتبتك… فقد صارت حضنا يرمي المارين به بثمار الحب المزروعة على جنبات بوسيجور…
و فاتت سنة يا أمي
و موج الصويرة الهادر يمر بنخلات مراكش، يشد كفها عميقا… يهمس لها :ألم تشتاقي لزهرتك ؟قال.
كيف اشتاقها وما غادرتني الا لتستقر في أعمق خلاياي، تبتسم لهفواتي الطفولية وتمسح على يتم قلبي ، فيصير القمر حوله نديا، قلت…
و فاتت سنة يا زهرة المحراب الأروع…
بنقوش من ذكريات الأماكن، ومعزوفات العود الأبيِّ و بعيون الأحبة الأوفياء ، الذين لم يفارقوا بَتْلاتِ الحب في دمك :سميرة، سيدي محمد ،منى، سناء، و عطيات…
لك يا زهرة
ستظل بَتْلاتُكِ في بياض اقداري
لك يا روحا حبلت بها احشائي
لك النور رداءً
لك الدعاء ملاذاً
لك الحب الأول
لك الحب الآخر
جنة و وِجاءا
و فاتت سنة يا أم الروح…
وما فاتني وخز حبك ابدا، حتى اتيك اليوم ذكرى رحيلك الأولى و بعدها، نلتقي متى شاء الله وقدر.
لا تجزعي أيتها الندية… ما زلنا كما نحن
الاقوياءَ الباكين، المفعمين بالأمل…
لن اوصيك بنفسك… اعرف انك بخير وتبتسمين ،لي، لسميرة ،سيدي محمد، عطيات، منى، سناء…
تبتسمين لهؤلاء الأوفياء الذين يحملونك في شرايينهم جهرا …
و يبادلونك الإزهار بأغاريد لا تشيخ،
لك… الحب كله.
فاطمة الزهراء اشهيبة
شاعرة

خاص من اعداد : محمد معتصم وعبد الله الشيخ .

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *