الكتاب المقدس ليس محرفا بل أصيلا

الكتاب المقدس ليس محرفا بل أصيلا

لقد سبق لي أن عالجت أو بالأحرى دافعت عن مصداقية الكتاب المقدس من خلال بعض الكتابات المحكمة سنة (2005)، كما أنني خلال السنة الفارطة (2016) تكلمت عن علاقتي بالفكر المسيحي بجريدة “المغربي اليوم”، و أشرت للعشرات من الكتب التي درستها بعناية لفهم الفكر المسيحي و مداخله اللاهوتية و العقدية،فاستقبلت على إثر هذه الكتابات العديد من الطروحات والأسئلة بخصوص تحريف الكتاب المقدس الذي يعتبر صلب الفكر المسيحي عند كل الطوائف و الفرق المسيحية على اختلافها،و للإجابة أقول بأن هذا الكتاب في نظري لا زال يسبب خلافا و سبب خلاف منذ بزوغ الرسالة المسيحية إلى اليوم،فهذا الكتاب (الكتاب المقدس) من الكتب القيمة في نظري،حيث يجد فيه الباحث ضالته من حيث فهم التاريخ الإنساني، و دراسة الأدب الإنساني من خلال ما دون به من أشعار و كتابات أدبية ببعض أسفاره،فهذا الكتاب يحيلنا على التاريخ القديم،إذ الأصل في كلمة “تاريخ” في اللغات الهندو أوربية (إستوريا istoria)،و هي كلمة سنسكريتية قديمة “دجيت” التي تعني “الحكمة”،و الكلمة الإنجليزية التي تعني “مُؤرخ” (و هي “هيستوريان” heistorien )،كانت تعني أيضاً “الحكيم”،لذلك فقدماء المؤرخين كانوا حكماء،و كانوا ينظرون للكتاب المقدس ككتاب حكمة.

و هنا أرى أنه من الحكمة أن أجيب من خلال هذا المقال عن بعض الإدعاءات التي تقول بتحريف الكتاب المقدس !

لقد قرأت منذ مدة كتاب بعنوان “الكتاب المقدس يتحدى نُقاده و القائلين بتحريفه” للقمص عبد المسيح بسيط،الذي تكلم فيه عن إدعاءات المسلمين بخصوص تحريف الكتاب المقدس،و قسم نظرة التحريف عندهم إلى قسمين :

– تحريف بالنقص : بمعنى أن بعض الكتاب لا يشتمل على ما كتبه الأنبياء بالروح القدس،بأنَ يكون قد ضاع بعضه إمًا عمداً،أو نسياناً،و قد يكون هذا البعض حرفاً أو كلمة أو أية أو جزءاً من الكتاب.

– التحريف بالزيادة : بمعنى أن بعض الكتاب ليس من كلام الكتاب الأصلي.

و السؤال هو : هل ينطبق معنى التحريف هذا على أسفار الكتاب المقدس ؟ و إن كان البعض يتصور و يزعم حدوث ذلك،فهل يستطيع الإجابة على الأسئلة التالية ؟

1 – متى حُرف الكتاب المقدس ؟ و في أي عصر تم التحريف ؟

2 – هل تم التحريف قبل القرن السادس الميلادي أـم بعده ؟

3 – من الذي حرف الكتاب المقدس ؟

4 – أيُن حرف الكتاب المقدس ؟ و في أي بلد من بلاد العالم تم تحريفه ؟

5 – لماذا حُرف الكتاب المقدس ؟ و ما هو الهدف من ذلك ؟

6 – هل يستطيع أحد أن يقدم دليلاً تاريخيا على هذا الزعم ؟

7 – أين نسخة الكتاب المقدس الغير مُحرفة ؟ و ما هي النصوص التي حرفت ؟

8 – كيف نستطيع أن نميز بين ما حرف و ما لم يُحرف ؟

9 – كيف تم التحريف ؟ و هل في إمكان أحد ما أن يجمع كل نسخ الكتاب المقدس ليحرفها ؟

10 – كيف يتم تحريف نسخ الكتاب المقدس و هي متفرقة في العالم ؟

11 – كيف يجمع المسيحيون و اليهود على تحريف الكتاب المقدس ؟

12 – كيف يحرف اليهود الكتاب المقدس و لا يعترض عليهم المسيحيون ؟

13 – إذا تم تحريف الكتاب المقدس من طرف المسيحيين،كيف لم يعترض اليهود على ذلك ؟

هذا جزء من الأسئلة المطروحة يجب الإجابة عليها كلها إذا سلمنا بتحريف الكتاب المقدس،فلم يقل أحد قط من المسيحيين أن اليهود حرفوا الكتاب المقدس،و لا أحد من اليهود إدعى بأن المسيحيين حرفوه كذلك،فبالرغم من ظهور فرق و طوائف مسيحية منذ القرن الثالث الميلادي أو بعده عبر تاريخ المسيحية،فلم تقل فرقة واحدة أو طائفة معينة بتحريف الكتاب المقدس،و قد كان رجال الكنيسة و الهراطقة علماء في الكتاب المقدس،و قد درسوا كل كلمة و كل جملة فيه و حفظوها عن ظهر قلب،و كان لكل واحد منهم نسخته الخاصة من الكتاب المقدس،و قد عُقدت المجامع المحلية و المسكونية و دارت فيها نقاشات حامية خاصة حول كل مفهوم كتابي و قراءته،فقد اختلفوا في تفسير بعض الآيات و مفهوم كل منها،و جعل كل واحد منهم يفسر على طريقته،و لكنهم جميعهم أمنوا بوحي واحد للكتاب المقدس،واحد معصوم و أصيل.

كما لم يقل أحد من اليهود بتحريف الكتاب المقدس،و كان قد انضم إلى المسيحية الآلاف منهم في السنوات الأولى للمسيحية،يقول الكتاب “و كانت كلمة الله تنمو و عدد التلاميذ يتكاثر جداً في أورشليم و جمهور كثير من الكهنة يطيعون الإيمان” (أعمال الرسل 6 : 7)،كما كانت هناك نقاشات حامية بين اليهود و المسيحيين حول ما جاء عن المسيح من نبوات في العهد القديم أمن بسببها الآلاف منهم و صاروا مسيحيين (أعمال الرسل 17 : 2 – 4).

و من أشهر النقاشات اللاهوتية في القرن الثاني الحوار الذي دار بين “يوستينوس” الشهيد و “تريفو” اليهودي،و اعتمد كل منهما على آيات وفقرات كتابية من نفس الكتاب المقدس الواحد (العهد القديم)،و لم يتهم أحدهما الأخر بتحريف الكتاب المقدس،إنما اختلفا في التفسير و التأويل،و بالرغم من ظهور الآلاف من الترجمات للكتاب المقدس،فقد تُرجمت جميعها من النص الأصلي،العبري والآرامي الذي كتب به العهد القديم،و اليوناني الذي كتب به العهد الجديد،أي الإنجيل بأسفاره السابعة و العشرون،و لدينا مخطوطات ترجع للقرن الأول الميلادي تثبت ما ندعيه في هذه المقالة المختصرة.

إن الكتاب المقدس رسالة معطاة من الله على يد أنبيائه في كل العصور،فقد أوحى الله الكتاب المقدس من خلال 1600 سنة (1523 ق.م – 95 م)* مستخدما أربعة و أربعون كاتبا لكلمته،فالله يتكلم و يتصل بالإنسان – الله هو الملك الأعلى – بعض المرات تكلم بصوت إنسان،و في مرات عديدة أخرى أوحى مباشرة كلمته إلى أنبيائه،و في مرات تكلم لأنبيائه في رؤى “عالمين هذا أولاً،أن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص،لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس” (2 بطرس 1 : 20 – 21)،إن الكتاب المقدس وصل إلينا كاملاً بدون تغيير أو تبديل،ففي البداية الأنبياء هم الذين كتبوا كلمة الله،و لكن مع مرور الوقت تبلى الكتابات الأصلية بكثرة الإستعمال وطول الزمن،لذا صار محتما على الكتبة أن يكتبوا نسخا أخرى،و هؤلاء هم “الكتفيم” حسب التعليم اليهودي و التراث العبري القديم،فقد كان هؤلاء الكتبة ينسخون بعناية و دقة لدرجة أنهم كانوا يعدون عدد الحروف في كل سطر ثم في كل صفحة و في كل إصحاح،و في كل سفر،ثم في الكتاب كله،و بالرغم من أنهم قاموا بالنسخ بأيديهم فإنه توجد الأن مخطوطات قديمة للكتاب المقدس أكثر مما لأي كتاب أخر.

فكل المخطوطات على مر التاريخ وُجدت تقريبا متطابقة،و هناك، اختلاف طفيف بعض المرات في الحروف،لكن المعنى هو نفسه تماما دون أي اختلاف،فمثلاً في 1947 من القرن الماضي،بحوالي (25 كلم) من أورشليم – القدس – فتى راعي رمى حجراً في كهف من أجل إخراج أحد خرافه الذي دخل للكهف،فسمع أصوات فخار قد إنكسر،فأراد أن يعرف،فأعاد الكرة مرة أخرى،و لما تحقق من الأمر وقف متعجباً إذ وجدت جرات من الفخار قديمة،فخرج و أخبر الجميع…فحضر مجموعة من العلماء و وجدوا مئات المخطوطات فأطلقوا عليها إسم “مخطوطات البحر الميت” أو ما يدعى ب”مخطوطات قمران”،و بعد الدراسة و الفحص عرفوا أن هذه المخطوطات أخفتها هناك طائفة دينية تسمى ب”الأسينيين” في القرن الأول قبل الميلاد،و في وقت هذا الإكتشاف كان المترجمون يستعملون مخطوطات تعود للقرن التاسع بعد الميلاد،و لكن لما قام العلماء بمقارنة هذه المخطوطات المُكتَشفة و الكتاب المقدس الذي كان بين أيديهم لم يجدوا إختلافاً كبيراً بينهما – إذن رغم فرق ألف سنة بين هاته المخطوطات و تلك لا يوجد أي إختلاف يذكر،لماذا ؟

لأن الله يحفظ كلمته.

و أظهرت الأبحاث الحفرية في السنوات الأخيرة عدة مقاطع من أخبار قديمة تتفق تماما مع الكتاب المقدس حتى في التفاصيل الدقيقة،فالأمكنة – التفاصيل الثقافية و الإجتماعية،الأسماء و التواريخ،الأمم و الشعوب،كل هذه الإكتشافات أيدت ما ورد في الكتاب المقدس المسيحي.

إذن فالكتاب المقدس نجح في إمتحان الزمن له،بعكس الكتب الأخرى،كالكتب العلمية و الفلسفية و التاريخية…التي غالبا ما تكون معرضة للتغيير و التبديل حسب مستجدات العلم و البحث الأكاديمي..و هنا يقول داوود في مزموره “إلى الأبد يارب كلمتك مثبتة في السماوات” (مزمور 119 : 89).

لذلك نؤمن بأن الكتاب المقدس ليس محرفا بل أصيل !!

الهامش :

– بعض الشواهد الكرونولوجية ترجع مدة الوحي الكتابي إلى 1300 سنة.

محمد سعيد: عضو المكتب التنفيذي لمركز الدراسات والأبحاث الإنسانية (مدى)

مقالات ذات صله

  1. محمد

    ان كان اسمك فعلا هو محمد سعيد فإنك لا تستحق حمل الاسم الذي لم يعط من قبل لأي من العرب او العجم بل اعطي لسيد خلق الله نبي الرحمة المبعوث إلى الناس كافة لمن فيهم اليهود والنصارى بالاضافة الى المشركين وغيرهم.فالمسلمون يؤمنون بالكتب المنزلة ولكافة الأنبياء والمرسلين بما فيهم عيسى عليه السلام .فانت أيها الكاتب والمدافع عن الكتاب المقدس ولا تؤمن بتحريفه وقد نصبت نفسك عالم علامة فحاور السيد ذاكر نابك الداعية الإسلامي وسترى مكانك بين علماء المسيحية

    الرد
  2. محمد

    ان كان اسمك فعلا هو محمد سعيد فإنك لا تستحق حمل الاسم الذي لم يعط من قبل لأي من العرب او العجم بل اعطي لسيد خلق الله نبي الرحمة المبعوث إلى الناس كافة لمن فيهم اليهود والنصارى بالاضافة الى المشركين وغيرهم.فالمسلمون يؤمنون بالكتب المنزلة ولكافة الأنبياء والمرسلين بما فيهم عيسى عليه السلام .فانت أيها الكاتب والمدافع عن الكتاب المقدس ولا تؤمن بتحريفه وقد نصبت نفسك عالم علامة فحاور السيد ذاكر نابك الداعية الإسلامي وسترى مكانك بين علماء المسيحية

    الرد

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *